الطبيب... والجينرال

2016-11-17 14:42:35


الطبيب... والجينرال

كتب: دكتور محمود المناعي

في تجارب الأمم الكثير من الرسائل والأمثلة التي تستحق منا التركيز والمتابعة فماليزيا وسنغافورة نماذج على أرض الواقع تمكنت خلال العقود القليلة الماضية من النهوض وتحقيق معدلات تنمية مرتفعة وتحقيق نجاحات ملموسة في العديد من المجالات، والنهضة تحققت على ايدي قيادات واعية وضعت رؤية وطنية خالصة، وخططًا مستقبلية طموحة للنهوض ببلدانها ووضعها في مصاف الدول المتقدمة.

فقصة النهوض الماليزيه بدأت بتشخيص للعلل وأمراض المجتمع ، وتنقيه النخبة الحاكمة تنقية حقيقية من قبل الطبيب والسياسي العبقري مهاتير محمد وكان الهدف الأساسي من وراء ذلك هو إحداث تغيير جذري في بنيه المجتمع الماليزي ومكوناته .

وتوصل مهاتير محمد بعد سنوات من فلترت ومعالجة السلبيات الموجودة ودعوته للتغيير والإصلاح الجذري إلى نتيجة قيمه وهي خلق شعب يسعى للنهوض والتقدم ويشارك في بناء المشروعات الوطنية العملاقة التي تعود خيراتها على جميع مكونات المجتمع الماليزي.

ويكمن نجاح التجربة الماليزية في الاستقرار السياسي ووجود قيادة وطنية واعية على الاطلاع بواقع البلاد الداخلي من حيث المشكلات والممكنات والمستحيلات ، وأيضاً الواقع الخارجي والتحديات التي يفرضها العالم الخارجي على صانعي القرار وقد أدى ذلك إلى تجنب الدخول في صراع مع الدول المحيطة ومع القوى الكبرى المهيمنة على العالم.

ومن هنا بدأ السعى إلى إنشاء مشروعات وطنية عملاقة في جميع أرجاء ماليزيا وذلك لتعزيز روح الانتماء والوطنية لدى جميع الماليزيين وصنع صورة ذهنية جميلة لماليزيا بالخارج، وقد تحققت تلك المشروعات الكبرى وأصبحت واقع ملموس فشركة النفط الوطنية العملاقة وهي شركة «بتروناس» واحدة من أكبر وأضخم الشركات التي أنشئت في هذه الحقبة وشركة طيران وطنية وهي الخطوط الجوية الماليزية، ومنها العاصمة السياسية لماليزيا وهي مدينة «بوتراجايا» ذات التصميم الرائع والتي تضم معظم الوزارات والهيئات الحكومية بنظم حديثة ، وأيضاً مصانع لإنتاج السيارات والتي استحوذت خلال السنوات الماضية على نحو 60% من سوق السيارات المحلية في ماليزيا.

والسر الحقيقي للنهضة الماليزية يرجع لأمور غاية في الأهمية... 
1_ 
التخطيط الجيد وتنفيذ الخطط..

التي يتم وضعها في الإطار الزمني المحدد لها، والنظرة المستقبلية في عملية التخطيط وضمان تنفيذ البرامج والمشروعات خلال مدد زمنية مسبوقة التقدير وعدم توقفها، والهدف منها هو الارتقاء بالمواطن الماليزي ورفع مستوى دخله وتحسين وضعه الاقتصادي وتوفير حياة كريمة لجميع المواطنين.

2_ 
النجاح في محاربة ومكافحة الفساد...

فقد اتخذت ماليزيا بعض الخطوات الجادة للقضاء على الفساد فأنشأت " أكاديمية مكافحة الفساد "وكانت تتولى تدريب العاملين في هيئة مكافحة الفساد الماليزية، وتقوم بتدريب العاملين في الهيئات الرقابية في غيرها من دول العالم ، وأنشأت كذلك هيئة مستقلة لمكافحة الفساد في الجهاز الحكومي وفي القطاع الخاص، والتي مكنت ماليزيا من احتلال المرتبة الثالثة والخمسون في مؤشرات مدركات الفساد مقارنة بالصين التي تحتل المرتبة رقم ثمانين ومصر التي تحتل المرتبة رقم مائه وأربعة عشر وفقا لتقرير عام 2013.

3_
التعليم...

والهدف من التعليم في ماليزيا وفقًا لاستراتيجية قومية وضعت هو إعداد الفرد إعدادًا شاملًا متوازنًا عقليًا وروحيًا وعاطفيًا وجسديًا، وفلسفة الوزارات والهيئات الحكومية والمنظمات الأهلية في ماليزيا تقوم على الاهتمام بالمنظومة التعليمية لاخراج منتج بشرى يتوافق ومتطلبات السوق المحلي والدولي .

4_
الشباب...

في كل أمة يعتبر الشباب سر قوتها وهم صناع النهضة، ومن أسرار النهضة الماليزية الاهتمام بالشباب عقليًا وروحيًا وجسديًا، وتمكينهم من المشاركة في النهوض ببلادهم، والاهتمام بالشباب في ماليزيا ليس مجرد شعارات جوفاء خالية من المضمون لا تظهر إلا في المناسبات كما يحدث في دولنا العربية وإنما برامج وخطط للتدريب والتأهيل والتشغيل، والقيادة في ماليزيا تنظر للشباب على أنهم صناع المستقبل وفلسفة العمل في الوزارات تقوم على الاهتمام بالجيل الصغير، وتتطلع وزارة الشباب والرياضة الماليزية إلى جعل مدينة «بوتراجايا» العاصمة السياسية لماليزيا «مدينة شبابية»، كما خصصت الوزارة يوم 15 مايو من كل عام لإقامة احتفال سنوي بيوم الشباب الماليزي 
وفي ماليزيا يوجد أيضاً برلمان للشباب والهدف منه تشجيعهم على المشاركة السياسية والقانون الذي ينظم الانتخابات حدد سن الترشح لمجلس النواب في ماليزيا بـ 21 عامًا واشترط ألا يقل سن الترشح لمجلس الشيوخ عن 30 عامًا، وكل هذا لدمج الشباب المكون الإنساني الحيوي والثروة القوية لأي أمه تسعى للنمو الاقتصادي .

بالرغم من كل هذه النجاحات التي حققتها ماليزيا خلال السنوات الماضية في الكثير من المجالات الا ان هناك الكثير من التحديات التي تواجه الماليزيين شعبًا وحكومة وتتطلب من الجميع العمل من أجل الحفاظ على الوحدة والتنوع واستكمال مسيرة التنمية التي بدأتها ماليزيا والمحافظة على النمو الاقتصادي وتحقيق الرفاهية للمواطنين.

والمسؤولون في ماليزيا يدركون جيدًا حجم التحديات التي يواجهونها ويضعون للتغلب عليها خططًا قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، 
وما يُحسب للقيادات الماليزية خلال السنوات الماضية بصفة عامة وخلال فترة حكم مهاتير محمد والتي امتدت لنحو 22 عامًا بصفة خاصة هو السياسات الوطنية التي انتهجتها تلك القيادات ونجحت في تجنيب ماليزيا الكثير من الأزمات والتي كان أبرزها الأزمة المالية في عام 1998 والتي عصفت باقتصادات النمور الآسيوية جمعاء. 
وكان لمهاتير محمد رؤية جديدة في تغيير الشكل الصورة الاقتصادية التقليدية لسيطرة الدولار على الخريطة الاقتصادية العالمية فطرح في منتصف عام 2003 فكرة الدينار الإسلامي بهدف توحيد اقتصاد دول العالم الإسلامي في تعاملاتها الخارجية وعدم اعتمادها الكلي على الدولار الأميركي وهذه الفكرة أقلقت الاقتصاديين والمفكرين الغربيين




موضوعات ذات صلة