قصة "شهباء" تأليف دنيا حسين

2018-04-29 20:43:22


قصة/دنيا حسين

وقفَ جهاد آخر مواطن لمدينة حلب بسوريا البالغ من العمر 34 عاماً علي أطراف مدينته، ينظر إليها بحزن وآسي يرثيها بعينيه ويبكي علي حظه وحظ بلاده وموت أسرته، كيف أصبح وحيداً، يتذكر كيف كان يري موت اهله الواحد تلو الآخر يموت أمام عينيه، كيف دُمرت هذه البلاد، وكيف تحول هذا الدمار إلي حضارة ومجد مرة آخري؛ ولكن هذا الازدهار الذي حل بالمدينة ليس بأيدي أبنائها إنما علي يد الغزاة المحتلين المغتصبين الذين سلبوها من يد ابنائها عنوة ،تذكرايضا مساعدة رئيس دولتهم علي دخول اليهود إليها وتحولت تلك المدينة الإسلامية إلي مدينة يهودية ،يري أمام عينيه المعابد، وهدم المساجد وكل شئ يتعلق بالاسلام، تذكر كيف ادعي هؤلاء الحمقى الصهاينة بأن تلك المدينة لهم وادعائهم أن آثارها تنتمي إليهم منذ عهد  وظهرت مخطوطات قديمة  لا صحة لها بأن تلك الشهباء الجميلة لهم ،وانهم مظلومون كالعادة مثلما حدث لفلسطين المحتلة حدث لحلب ايضاً، لم يكن مستغرباً  تخاذل الدول العربية وعدم اتحادها.
ابتسم جهاد ابتسامة سخرية، وقال:
- عجباً للعرب يمتلكون القوة والعقل ولديهم مهارات وقدرات كثيرة وهم غير قادرين استغلالها أصبح التخاذل والتغاضي عن الطريق الحق سمة بارزة لديهم.
 ثم تنهد تنهيدة طويلة تكاد أن تسقط الجبال من كثرة الحرقة والمرارة التي في قلبه، ثم صرخ بصوت عال، وقال: 
- وااااا شهـــــــباء، واااااا حسرتاه على ضياعك.
 ثم سقطت دمعة من عينيه، وقال:
- ليتني متُ مثلهم لا أحتمل أن اراكي يابلادي ملكاً لهؤلاء الأعداء.
 ظل يحدث نفسه كثيراً وكأن شخصاً معه يتحدث إليه ويحاوره. ظل ينظر إلى المدينة وعيناه مغرورقتان بالدموع، والهواء البارد يحاوطه ويتطاير من كل مكان فيطير شعره وملابسه مع تطاير الهواء.
أربعة وعشرون عاماً لم يري فيها بلاده خرج منها مضطراً ابتعاداً عن القهر والظلم ،ورجع إليها متخفيا بعد سماحهم بدخول العرب ماعدا السوريين وبعد تيقنهم تمام اليقين انهم قضوا علي كل من ينتمي إلي حلب، عاد بذكرياته إلى الوراء وتذكر ذلك اليوم الذي كان أشبه بيوم القيامة، بدأ نهار يوم الجمعة كالمعتاد بسماع صوت امه وهي تنادي عليه هو واخته لينا كي يستعدوا لأداء صلاة الجمعة بمسجد حلب مع ابيهم، وهو كالعادة يدعي النوم هو واخته حتى تأتي والدتهم وتقبلهم وتمسح على رأسهن وتحنو عليهم كما تفعل دائماً. وبالفعل اقتربت منهم ومسحت على رأس جهاد، وهي تقول:
- هيا يا جهاد كفاك مزاحاً.،أنا أعلم إنك مستيقظ.
وهو يحاول أن يمنع نفسه من الضحك حتى لا تكشف أمره، ففتحت لينا عينها ببطء لتري امها تراها وتضحك فقامت من مكانها. ثم قالت امهم:
- هيا يا لينا لقد تأخر الوقت.
وجهاد مستمر في التمثيل، فنظرت إليه، وقالت:
- هل سوف تستمر في ادعاء النوم حسناً، سوف تري.
فبدأت امه تدغدغه، فأصبح يتنفس بسرعة غير قادر علي الكلام ويضحك بعلو صوته  ويحاول أن يقول لها:
-  لقد است.. يقظت كفي .. كفي.
فقبلت رأسه، واحتضنته، وقالت:
- هيا يابني قم وتوضأ وهيأ نفسك للصلاة ، حتى أعد طعام الفطور.
قام جهاد من مكانه وخرج من الغرفة فوجد ابيه كعادته، يقرأ الجريدة وبجانبه فنجان القهوة الذي لا يستطيع التخلي عنه ابدا خصوصا في وقت الصباحً. فأقترب جهاد منه، وقال:
- صباح الخير يا أبي. فرد والده مبتسماً:
- أسعد الله صباحك يا جهاد.
فقبل جهاد يد أبيه، فتابع أبيه الحديث:
- رضي الله عنك دائما كما تحاول أن ترضيني أنا وامك،هيا اذهب و استعد لصلاة الجمعة.
وبالفعل استعدت الأسرة جميعاً للذهاب إلى المسجد، ولبس جهاد جلبابه الجديد الذي اشتراه له والده ليحفزه على الصلاة في المسجد وكان سعيداً كثيراً به. واتجهت الأسرة إلى المسجد الذي يبعد عن المنزل عشرة أمتار حيث كانوا يسكنون في حي باب الفرج القريب من المسجد، ودخل الأب وجهاد ناحية مصلي الرجال من المسجد،واتجهت الأم وابنتها ناحية النساء.
وفي تلك اللحظة أثناء خطبة الجمعة وكان الناس في المسجد جالسين مطمئنين، لا يفكرون في شيء سوي متي سينتهي خطيب المسجد من خطبته
 وفجأة!! سمع المصلون صوت انفجار ارعبهم، وقام الجميع في فزع يتدافعون للخروج من المسجد، وحينها حمل الأب جهاد علي كتفه وحاول الركض به للخروج من المسجد،؛ ولكن لم يستطيعا الفرار، وقعت قذيفه  علي المسجد اسقطته ، ولم يدمر المسجد فحسب بل دمرت أغلب المدينة، ومات الكثير من الحلبيين السوريين الأبرياء دون أي ذنب، وقعت القذائف علي الناس، مات الناس وهم جالسون علي مقعداهم والأطفال ساقطون في شوارع حلب والدماء تسيل منهم، ونساء أصبحت بلا مأوي، وأصبحت حلب كبركة دم كبيرة،لم تؤذن صلاة العصر في ذلك اليوم في المدينة، وكأنها علامة من علامات يوم القيامة، عندما لا تقام الصلاة في مدينة من المدن تعد كارثة كبيرة.
كنت تحت الأنقاض وأبي فوقي حاول تغطيتي بجسده كي لا أصاب بأذي كنت اشعر بثقل جسده وأصبحت غير قادر علي التنفس، كنتُ أحس بالخوف، واشم رائحة الموت، مضي كثير من الوقت وأنا على ذلك الحال ولا أدري كم مر من الوقت؛ ولكني اسمع صوت أمي من الخارج وهي تبكي وتصرخ وتقول:
- لينا .. لا يا حبيبتي، أرجوكِ استيقظي لا تموتين. ليــــــنا، ليـــــــــنا. 
في تلك الأثناء كنت اسمع أصوات الناس وهم يحملون الأحجار محاولين إنقاذنا ،رفعوا أبي من عليّ، وأنا احاول التقاط أنفاسي غير مصدق ما حدث وكل من حولي يسألني هل أنا بخير أم لا ، حينها سمعت أمي وهي تنادي وتبكي:
- جهـــــاد.
وركضت نحوي واحتضنتني بقوة، وكان الرماد يغطيني ويغطيها، وكنت مذعوراً من ذلك الموقف العصيب، أري والدي مُلقي على الأرض، وفي الجهة الأخرى أختي الصغيرة، وحولهم الجثث مُلقاه في كل مكان، ووجه أمي ملطخ بالدماء. واسمع بكاء الناس حولي، وصرخات النساء، والتراب والرماد يغطيهم كأنهم يضعون دقيق علي وجوههم، كنتُ أحس انني أحلم أريد أن اصحو منه؛ ولكن هيهات تلك هي الحقيقة التي لن تنتهي.
فجأة سمعت صوت سيارات الإسعاف، ويخرج منها رجال الطورائ والأطباء مسرعين ،يحملون الجثث، ويحاولون إسعاف المصابين، ورأيتهم وهم يأخذون أبي وأختي معهم، وبدأ الجميع من حولي يمشي في طريقه كلا  يبكي على ليلاه والخراب الذي حل به ، وأمي مازالت تحتضنني وتبكي. فقطعت بكاؤها ورفعت رأسي، وقلت:
- أين سوف نذهب الآن يا أمي؟
بحرقة شديدة ردت الأم:
- لا أدري يا جهاد؛ لكن دعنا نذهب إلى البيت ،ثم نذهب إلي المشفي لاستلام جثة ابيك واختك.
كانت الأم خائفة أن يكون البيت قد دُمر، مثلما حدث لمعظم البيوت؛ ولكنها ألتزمت الصمت وفضلت إلا تبوح لجهاد بما تخشي. أمسكت الأم بيد جهاد واتجهوا للمنزل وبالرغم من أن البيت يبعد عشرة أمتار فقط عن المسجد إلا انهم كانوا يشعرون أن الطريق طويل جداً ولن يصلوا إلى البيت ابداً. كانت حلب عبارة عن دمار معظم البيوت مدمرة، وجوه الناس عليها الحزن والحسرة وخيبة الأمل لضياع أوطانهم ، وطن البيت الذي كان مأوهم ويحتمون فيه، ووطنهم الذي كان من المفترض أن يكون مصدر الأمان والطمأنينة وبدلاً أن يسعي  الوطن لحمايتهم أصبح هو السبب الرئيسي في شعورهم بالخوف والقلق المستمر.
وصلنا إلى البيت، ووجدناه كما كان المتوقع عبارة عن كومة أنقاض، قطع حجارة لا قيمة لها. ولمحنا جيراننا يقفون أمام بيتهم وكان قد هدم ايضاً، ومن الواضح انهم لم يفقدوا أحد منهم لأنهم جميعاً واقفين أمام البيت. فتوجهت أم عدنان نحونا، ووجهت الحديث لأمي:
- أرأيتِ ما جري لنا من خراب؟
فقالت أمي بحرقة والدموع في عينها ورفعت رأسها إلى السماء:
- ..حسبي الله ونعم الوكيل، الله المنتقم الجبار.
- أين لينا وأبوها؟
انهمرت الدموع من أمي ونظرت إلى الأرض، وقالت:
- لقد سقط علينا مسجد حلب أثناء تأدية الصلاة، وماتوا.
احتضنت جارتنا أمي بشدة، وقالت لها:
-    لا تحزني، نحسبهم شهداء عند الله،انهم في مكان أفضل من هذا الخراب والضياع.
استندت علي أمي واغمضت عيني من شدة التعب ،كنت غير قادر علي الوقوف.
 قال زوج جارتنا والذي يدعي "حسين" وقال:
- هيا بنا.
فقالت أمي:
- إلى أين؟!
- إلى مخيمات اللاجئين، ليس لدينا مكان نذهب إليه غير ذلك المكان، مؤقتا حتى نستطيع الخروج من البلد عندما تفتح المعابر الحدودية.
- ولكن أنا لن أستطيع أن اترك زوجي ولينا دون أن ادفنهم واطمئن عليهم ، هذا آخر تكريم وواجب يمكن أن أقدمه لهم.
- لا تقلقي حيال ذلك، أنا معكما، وسوف اسعي إلى ذلك لقد كان زوجك صديقي العزيز الذي وجدت فيه الوفاء وحسن الخلق؛ لنذهب الآن فالجميع متعب انظري إلى جهاد.
نظرت أمي  وجدتني سانداً رأسي عليها، فحملني جارنا على كتفه، وامسك يد ابنه الذي يبلغ خمسة عشر عاماً، وجارتنا ربطت علي كتف أمي، وتوجهنا إلى المخيمات. لا أدري كم مر من الوقت حتى وصلنا إلى المخيمات؛ لأني كنت نائماً في تلك الفترة من شدة التعب. وعندما استيقظت وجدت انني داخل خيمة وبجانبي أمي تبكي وواضعه رأسها بين رجليها، وعلى الجانب الآخر وجدت جارتنا وابنها نائمون بعيداً عنا قليلًا، قمت واقتربت من أمي، وقلت لها:
- لا تبكي يا أمي فأنا معك، وسأكون بجانبك واحميكِ من اولئك الأعداء.
 رفعت أمي رأسها، وابتسمت ، وقالت:
- أعلم أنك بجانبي ولن تتركني، لقد كبرت ويمكن الاعتماد عليك.
شعرت ببعض الثقة، فاستطردت أمي في الحديث، وقالت:
- تعدني؟!
- بماذا أعدك يا أمي؟
- ألا تستسلم ابداً لتلك الظروف، وأن تتحدي الصعاب لتكون ناجحًا في حياتك وأن تكون شخصاً عظيماً في المستقبل كما كان يتمني والدك، وعندما نخرج من تلك البلاد أعلم اننا سوف نعود إليها مرة آخري، لأن الله لا يرضي بالظلم ابداً ومهما طالت فترة الظلم فإن الله ينصر المظلوم دائماً ويعود الحق إلي اصحابه، لو حدث لي شيء وقدر الله لي أن أموت عِدني يا جهاد أنك ستعود هنا مرة آخري وتعيش فيها.
فهززت رأسي لأمي بالموافقة علي تنفيذ الوعد . 
وأثناء حديثي مع أمي سمعت جارنا عم حسين ينادي علي زوجته من خارج الخيمة ، فاستيقظت جارتنا من النوم علي صوته، وقالت:
- صباح الخير.
وقامت وخرجت لزوجها. فخرجنا وراءها، فقال عم حسين:
-    علينا الذهاب الآن إلي المشفي لاستلام الجثث.
كان من الصعب علي أمي أن تسمع كلمة الجثث،انهم كانوا معانا أمس نضحك سويا،حزنت من الكلمة أنا ايضا
صمتت  أمي برهة ثم قالت: -حسناً.
تنبهت للمكان حولي وجدته ملييء بالخيمات الأخري، ويوجد الكثير من اللاجئين كلهم يبدو عليهم ملامح الحزن والقهر والألم والاستبداد والظلم،  المكان يشعرك باليأس وفقدان الأمل من الحياة. وبالفعل توجهنا إلى مستشفى الرازي التي تقع في شارع سويف، كان العديد من الناس يسيرون معنا لاستلام شهدائهم ايضاً، وكأن حلب أصبحت عبارة جنازة مهيبة لشهيد واحد.
استأجر جارنا سيارة للذهاب إلى المستشفى لوضع الجثث عليها ونقلهم إلى مثواهم الأخير. ركبنا السيارة، وكان الصمت يسود السيارة ولم نسمع سوي أنين بكاء أمي وجارتنا تحاول التخفيف عنها بعبارات التهوين عن النفس التي لا تجدي نفعا في تلك الأوقات العصيبة. 
وعندما وصلنا إلى المستشفى كانت مختلفة عن المعتاد لم تكن ذاك المكان البارد الهادئ الذي يوحي بالوحشة، أما اليوم فكان يختلف عن باقي الأيام الماضية؛كانت مكتظة بالمواطنين، والضوضاء تعم المكان، وسيدات واقفين يبكون على حظهم العاثر، سارعم حسين بين الجمع وسرنا خلفه وتقدم نحو موظف الاستقبال والطوارئ، وسأله:
- هل يمكنك أن تدلني على مكان استلام جثث الضحايا؟
- في غرفة ثلاجة الموتى.
- أين تقع؟
- في الدور الثاني، اتجه ناحية اليسار وستجدها.
- شكراً لك.
لم نكن بحاجة إلى كل تلك الاسئلة فكان معظم الناس يتجهون إلى نفس المكان، وجدنا الكثيرون يقفون أمام الغرفة ويقف أمامها اثنين يبدو انهم المسئولون عن تلك الثلاجة وكانوا يحاولون تهدئة الواقفين، ويحاولون تنظيم الوضع لدخولهم بالترتيب للتعرف على موتاهم. وبالفعل جاء دورنا لندخل، فالتفتت أمي لي، وقالت:
- انتظرني هنا حتى أعود.
ولكني صممت على الدخول معهم، وقلت لها:
- أريد أن أري لينا وأبي.
كان الموقف لا يستدعي كلام أكثر من ذلك . 
دخلت معها ودخل معنا عم حسين وعامل من العاملون الذين كانوا موجودون بالخارج، وعندما دخلنا لم تكن ثلاجة الموتى كما نري في الأفلام الأجنبية عبارة عن مكان مليء بالأدراج يوضع فيها الموتى، فالأمر كان مختلفاً تماماً ،فمن كثرة جثث الموتى كانوا موضوعون علي الأرض بجانب بعضهم البعض وبينهم قطع من الثلج حتي لا تتعفن الجثث ومغطون بالكفن، كنا نسير بين الجثث بحذر شديد حتي لا ندوس عليهم ونكشف وجوه الجثث الواحدة تلو الأخرى وأثناء رفع الجثة السابعة وجدنا لينا أختي نائمة مثل الملاك السماوي وعلي وجهها ابتسامه جميله كنت أحب أن اراها عندما كنت أفعل شيء لها يرضيها. وعندما رأتها أمي،سقطت الدموع منها،و قالت:
- آاااااااه يا حبيبتي.
جلست على الأرض واحتضنتها وبدأت تبكي، وتقول:
- ياصغيرتي الجميلة، لقد حرموني منكِ، كم كنت أود أن تكوني سندي في الحياة، وأن تدفنيني أنتِ بدل من أن اضعك أنا بيدي تحت التراب، كنت احلم أن اراكِ عروس، لقد ضاعت الأماني والأحلام، آاااااه يا صغيرتي، رحمك الله يا عصفورة حلب.
وفي تلك الأثناء قام جارنا بالكشف عن وجه الجثة التي بجانبها ووجدها جثة أبي، كانت أمي تنظر إلي أبي وتبكي وتحتضن لينا، فقاطعها جارنا، وقال:
- لا وقت لدينا الآن علينا الذهاب لاستكمال الاجراءات، كما أن جهاد لن يتحمل أكثر من ذلك.
وجدتني أمي ابكي وراءها، ولا أقدر على التنفس من كثرة البكاء فقبلت رأس لينا وانحنت نحو أبي وقبلت رأسه وأنا فعلت مثلها ايضاً تقليداً لها، فاحتضنتني، وقلت لها بسذاجتي:
- ألن نراهم مرة أخرى؟
صمتت أمي ولم تتكلم، فقاطع جارنا الصمت، وقال:
- لا بل سوف نراهم؟
- أين؟!
- في الجنة، انهم يروننا الآن ويشعرون ما نشعر به، وأظن أن والدك لن يرضي أن تكون حزينا هكذاً، هل تود يا جهاد أن تراه حزيناً؟
- لا
ومسحت دموعي سريعاً حتى لا يحزن أبي كما كنت أظن. 
خرجنا من الغرفة كانت تنتظرنا جارتنا وابنها في الخارج فأقبلت نحو أمي واحتضنتها وكانت تحاول التخفيف عنها، وكان جارنا قد اتم اجراءات الدفن، وقام بنقل الجثث إلى السيارة بمساعدة بعض العاملين بالمستشفى. وتوجهنا نحو المسجد لأداء الصلاة عليهم، وكان في المسجد عشرات الشهداء ايضاً للصلاة عليهم فوضعناهم بجانبهم وبعد الصلاة توجهنا إلى المقابر لدفنهم.
 بعد انتهاء كل ذلك العناء  ، قال عم حسين:
- علينا أن نغادر سوريا الآن، فالمعابر الحدودية مفتوحة لمدة يوم واحد فقط، أعلم أن الأمر متعب؛ ولكن علينا الفرار والنجاة بأنفسنا.
سرنا وراءه، في صمت كنا نعلم أن لابد من الفرار من ذلك السجن. وصلنا إلى المعابر الحدودية اللبنانية وكأن بذرة الأمل بدأت تدخل في قلوبنا، ونظن أن الموت لن يترك بابنا ثانيةً إلا بعد وقت طويل، و كان هناك الكاميرات والمذيعون يصورون خروج المواطنين الحلبيين من البلاد محاولين إظهار الوحدة العربية الزائفة، وعن مدي التعاون بين الدول ومحاولة رفع الظلم عن المنكوبين. وحين اختفت الكاميرات، بدأنا نسمع أصوات القذائف وطلقات النار تحاوطنا من كل مكان، ونحن غير قادرين على الاختباء ولا حماية أنفسنا، انحنت أمي نحوي تحاول حمايتي من القصف، وعندها سمعت صراخ أمي وكانت قد أصيبت بجرح غائر في كتفها الأيسر رفعت رأسي لأراها  متألمة من الجرح وأري الجميع حولي يسقط الواحد منهم تلو الآخر،سمعت أمي وهي تقول:
- اهرب يا جهاد.
 نظرت إليها وقلت لها وأنا ابكي:
- لا لن اتركك سأظل بجانبك حتى نعبر الطريق معاً.
أمي أصبحت غير قادرة على الكلام وتتنفس سريعاً:
- أطع كلامي الآن اهرب، اجري بكل قوتك، هيا يا جهاد؛ لكن عدني أن تعود مرة ثانية إلى هنا.
تركت أمي وكنت أركض بكل قوتي ومن حين لآخر انظر إليها اثناء الركض، لا أريد أن أموت مثلهم صرت علي تلك الحال حتى وصلت إلى الحدود اللبنانية، وبدأت التقط أنفاسي وشعرت ببعض الأمان. وفي الأثناء التي كانت أمي تودع الحياة، كانت حلب كلها تباد وتدمر فأطلقت ذخائر كيمياوية لمدة أسبوع كامل كان المواطنون يسقطون قفلت حلب وقفلت المعابر، ولم يقدر أي شخص على الخروج بادت حلب عن آخرها، دمرت البلاد وخربت بالكامل، وكانوا يظنون أن كل أهالي حلب أبيدوا، ولكن حلب ستظل دائماً داخل القلب.
تخاذلت الدول العربية كالعادة ولم يهتم سوي مواقع التواصل الاجتماعي الافتراضية التي لا قيمة لها في الحروب الدامية، وعادت الأمور مرة أخري كمان هي وكل دولة تسعي وراء مصلحتها ولكنها لا تعلم أن خراب دولة بجانبها سوف يسبب لها الضرر ايضاً؛ ولكن لا حياة لمن تنادي، ودخل اليهود وادعوا أن تلك البلد ملكهم وساعدهم في ذلك رئيس سوريا، أخذت الدول تندد وتتحدث؛ ولكن كما حدث في فلسطين حدث ذلك ايضاً في حلب باتوا يسلبون قطعة وراء الأخرى من أرض سوريا التي قاربت أن تكون كلها  ملكاً لليهود.
- وها أنا أعود إليك مرة آخري يا شهباء لتحقيق حلم أمي قبل أن يدركني الموت أنا ايضاً فعندما علمت بمرضي بسرطان الدم وعدم قدرتي على مصاريف العلاج وكل همي أن احقق حلم أمي وأملها، كانت تظن أن حلب ستعود مرة أخرى لم تكن تدري بما حدث.
بدأ جهاد يسير داخل المدينة وكل شيء قد تغير بها أشكال المباني وهدمت المساجد والكنائس وحلت محلها معابد اليهود الصهاينة، كل اسماء الشوارع تغيراسمها بالكامل وتحول اسمها إلي اسماء آخري مكتوبة باللغة العبرية، كان يشعر بأنه يسير في مدينة غير مدينته التي كانت محفورة في ذهنه، وبدأ يحدث نفسه:
- أتلك هي حلب؟! هل اخطأت الطريق في الوصول إلى بلدتي؟!
وتعددت التساؤلات حتى وصل إلى منتصف المدينة فوجد نفسه أمام قلعة حلب تلك القلعة الشامخة من أعظم المعالم السياحية، والتي كانت تسمي ايضاً بقلعة سيف الدولة الحمداني "تلك القلعة شهيرة الامتناع، ثابتة الارتفاع، معدومة الشبيه والنظير في القلاع، تناهت حصانه أن ترام أو تستطاع، قاعدة كبيرة، مائدة في الأرض مستديرة، منحوتة الأرجاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، فسبحان من أحكم تدبيرها وتقديرها، وأشبع كيف شاء تصويرها وتدويرها، عتيقة في الأزل، حديثة وإن لم تزل، طاولت الأيام والأعوام، وشبعت الخواص والعوام".
وبهذا تظل قلعة حلب الشهباء شامخة إلى يومنا هذا تروي أسرار الجمال والعراقة العربية الإسلامية، وتروي تاريخ الأجداد وتضحياتهم من أجل الحفاظ على أرضهم. ولكن تحول ذلك الشموخ وتلك التضحية الكبيرة إلى أن يأتي اليوم ويأخذها الصهيونيين ويسلبوها منا، وادعائهم انها ملكاً لهم وأن العرب هم السبب في ظلمهم وتشريدهم في الأرض، بل وصل بهم الأمر أن وضعوا بعض النقوش اليهودية تلك اللغة التي انشئت من العدم. وعندما رفع جهاد برأسه ووجد تلك النقوش شعر بالغضب والحمية على وطنه الضائع، فاقترب ناحية القلعة ليدخلها فمنعه الحراس من الدخول، فقال لهم بغضب:
- أريد أن ادخل القلعة.
كان الحراس لا يفهمون ما يقول، وهم ينظرون بدهشة إلى بعضهم، ومستغربون، كان الحراس يمنعوه بالقوة، وهو يصرخ بأعلى صوته:
- هذه قلعتنا نحن، أتفهمون ؟! حلب عربية، وستظل عربية.
وفي الأثناء الذي كان الحراس يمنعون جهاد من الدخول، كانت تخرج من المعبد فتاة تدعي استير كان أبوها من الوزراء وصاحب الرابطة التي تدعو بحرية الأديان، وكان شعاره "الدين دائما في القلب؛ولن تستطيع أي قوة تحطيم ما في قلبك"
كانت استير واقفة تشاهد ما يحدث، وكانت تفهم كلمات جهاد لمعرفتها للغة العربية، لذهابها إلى مصر واستكمال دراستها الجامعية هناك. وعندما رأت أن الحراس يدفعونه بالقوة لسجنه، ركضت نحوهم وأمرتهم بأن يتركوه، كانت تتحدث إليهم وجهاد لا يفهم كلمة مما تقول. ولكنه استنتج انها تكلمهم بشأن أن يتركوه وشأنه؛ لأنهم بالفعل تركوه ورجعوا مكانهم أمام القلعة. بدأ جهاد يلتقط أنفاسه ويرتب ملابسه، فسمعها تقول له:
- أنت بخير؟
فأندهش جهاد لأنها تحدثه باللغة العربية، فقال لها:
-أنتِ عربية؟
-لا، أنا يهودية إسرائيلية.
تضايق جهاد منها في أول الأمر للعدواة المسبقة بين الاسرائيلين والعرب،لكنه سألها
- كيف تتحدثين اللغة العربية، ولماذا جئتِ إلى هنا؟
-أعرف اللغة العربية لأنني عشت في مصر أثناء دراستي الجامعية، وكانت أغلب دراستي بتلك اللغة، وجئت إلى هنا لكي أعمر حلب، وأبي أحد الوزراء وصاحب رابطة حرية الأديان.
استنكر جهاد من حديثها، وقال:
- حرية الأديان!
قالها وهو يضحك باستهزاء منها، فقالت له:
- لا تندهش فليس كل اليهود صهاينة.
استطردت استير في الحديث، وقالت:
- من أنت؟ ومن أين أتيت؟
- أتيت من لبنان لزيارة حلب.
- كيف دخلت إلي حلب؟ ممنوع دخول السوريين إلي هنا.
قال جهاد بحدة في نبرة صوته:
- لا أحد يستطيع من منعي دخول وطني.
- أنت سوري الجنسية؟
زاغت عين جهاد، وقال:
- لا بالطبع، بل لبناني كل البلاد العربية عبارة عن دولة واحدة.
شعرت استير بريبة في الأمر فملامحه لا تدل انه لبناني الجنسية ابداً، ولكنها فضلت الصمت حتى تتأكد من صحة ظنونها. فقالت له:
- حسناً! لماذا أتيت إلى هنا؟
 لم يجيبها جهاد وتجاهل سؤالها، وطلب منها مساعدة بالرغم انه يعرفها للمرة الأولي:
- هل يمكن أن تساعديني أزور آثار حلب؟
- لماذا؟!
- أريد أن اشعر أنى بحلب واشم رائحة عبيرها، حتى لو كان المتبقي منها بقايا!
هنا تأكدت ظنون استير انه من سوريا خصيصا من حلب ويخفي عليها الأمر، خوفاً من أن يقتل هو الآخر. فقالت له:
- حسناً، قل لي ما هي الآثار التي تود زيارتها؟
- المدرسة الشاذبحتية، والمدرسة الظاهريّة، سوق المدينة، وسوق خان الحرير، قلعة حلب، قلعة سيف الدولة الحمدانيّ. دار الكتب الوطنيّة، باب الأحمر، قاعة العرش، مسجد الخسروية، برج ساعة، باب الفرج، بيمارستان آرغون الكمالي، جرف الأحمر، وكنيسة الشيباني، المكتبة العجمية، مئذنة المسجد الأموي، خان البرغل، ومتحف حلب، وكهف الديدريّة، ساحة السبع بحرات. محطة قطار بغداد ....
وبينما هو يعدد الآثار الكثيرة في حلب قاطعته استير، وقالت:
- تمهل أن معظم الآثار التي تتحدث عنها محيت من الوجود ولم يعد لها آثر، والباقي منها أوضحت المخطوطات اليهودية القديمة انها تنتمي إليهم.
شعر جهاد بالحزن، ونظر في عين استير مباشرة؛ وقال لها:
- هل يرضيكِ ذلك الظلم الذي حدث؟
- ......
صمتت استير لم تكن قادرة على الرد عليه.
-حسناً، ساعديني على أن أري أي شيء ينتمي إلى حلب يكون من رائحتها القديمة.
- سأساعدك بالطبع، لنبدأ من الغد ألقاك غداً هنا في نفس الوقت لزيارة تلك القلعة التي أمامك من الداخل، وأرجو أن تشعر بحلب كما تقول.
-اتفقنا.
تركته استير وهمت بالرحيل، فناداها بصوت عال، وقال:
- يا ...
فالتفت إليه وشعرها يتطاير مع الهواء، ففقد جهاد عقله من شدة جمالها، فقالت:
- هل تريد شيء مني قبل أن اذهب؟
- لم أعرف اسمك فقط؟
ابتسمت له 
-استير 
واستطردت في الحديث، وقالت:
-سنتقابل في نفس المكان عند القلعة.
 ومضت في طريقها. لم تغفل عين جهاد طوال الليل، كان يود أن ينتهي الظلام حتى يري قلعة حلب من الداخل وماذا حل بها، هل سيشعر حقاً بحلب القديمة كما يظن، هل سيشعر ببعض الأمان حتى ولو كان وهمي. كان يفكر ايضًا باستير تلك الفتاة الرقيقة الجميلة التي لا تنتمي لأخلاق الصهاينة، أظهرت مدي أخلاق اليهود الحق أصحاب الكتاب .
آتي الصباح وكان جهاد واقفاً ينتظرها منذ الليل في نفس المكان، فلا مأوي لديه. أقبلت استير نحوه وهي مبتسمة وكان يشعر بالفرح لرؤيتها، ولا يدري ما سبب فرحته بالرغم ما به من ظروف ومرضه الذي لن ينجو منه، فقالت له استير:
- كيف حالك اليوم؟
- بخير، وأنتِ؟
- بخير ايضًا، مستعد للجولة؟!
- بالتأكيد!
- هيا بنا.
دخلا كل من استير وجهاد قلعة حلب ولم يتفوه أحد من الحراس بكلمة واحدة، كان ينظر إلى الحراس نظرة انتصار عليهم؛ لأنه فعل ما يريد رغماً عن أنوفهم.
سارت استير ويتبعها جهاد خلفها وهو ينظر إلى جدران القلعة ويري براعة المهندسين المعماريين الإسلاميين، وتلك الآثار الإسلامية الرائعة فسبحان من أحسن تدبيرها؛ وبينما كانا يسيران وجد حائط كبير مكتوب عليه باللغة العبرية؛ ولكن يبدو على ذلك الجدار انه حديث العهد، ولم يسمع عنه من قبل، فقال لإستير:
- ما هذا الجدار لم أره من قبل؟
- عند دخولنا حلب اكتشفنا ذلك الجدار وأن تلك القلعة تنتمي إلى اليهود، وأن العرب المسلمون أخفوا ذلك الجدار لإخفاء الحقيقة عن أعين الناس جميعاً.
وبينما تتحدث استير، أحس أن الدنيا تدور به ووقع جهاد مغشي عليه. فاق جهاد ولم يدري ما حدث له سوي انه وجد رأسه موضوعة على رجل استير وهي تبكي عليه، وعندما رأت أنه فتح عينه، قالت له:
- كنت اعلم أنك من حلب، اشعر بحرقتك ومرارتك على فقدان وطنك. كانا يبكيان معا فسقطت دمعة من عين استير تلاقت مع دمعة جهاد فامتزجت الدمعتين معاً، في تلك اللحظة كان جهاد يلتقط انفاسه الأخيرة وسمعت استير انه ينطق الشهادتين، وأغمض عينه. وهكذا مات آخر حلبي في التاريخ، وقامت استير تمجيداً له أن دفنته وكتبت على قبره:
"هنا يقع آخر حلبي سوري مخلص لوطنه."