الشيخ أحمد تركى يكتب : آداب عيادة المريض وزيارته

2018-10-13 16:46:05



ولعيادة المريض آداب، كما أنَّ على المريض آدابًا، وهذا ما نبيِّنه فيما يلي، ولْنَتكلَّم أولاً عن آداب عيادة المريض:

آداب عيادة المريض :

1 - النية الصالحة:
بأنْ يَقصد بعيادة المريض وجْهَ الله - عزَّ وجلَّ - وتحصيل الأَجْر منه سبحانه، والفوز بِثَوابه، وأن يقوم بأداء حقِّ أخيه المسلم؛ ليزداد التَّرابط والتَّراحم بين المسلمين.

ومِمَّا يُعينه على تلك النِّية أن يَعرف فضل عيادة المريض، وسوف أسوق بعض الأحاديث الواردة في ذلك فيما يلي:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يقول يوم القيامة: يا بنَ آدم، مرضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت ربُّ العالَمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلانًا مَرِض، فلم تَعُده؟ أما علمتَ أنَّك لو عُدْتَه لوجدتَني عندَه؟).

وعن معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((خمسٌ مَن فعل واحدةً منهنَّ كان ضامنًا على الله: من عاد مريضًا، أو خرج مع جنازة، أو خرج غازيًا، أو خرج على إمامٍ يريد تعزيره وتوقيره، أو قعد في بيته فيَسْلم الناس منه ويَسْلَم من النَّاس). ومعنى "تعزيره": توقيره ونُصْرته.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَن عاد مريضًا، ناداه منادٍ من السماء: طِبْتَ وطاب ممشاك، وتبوَّأتَ من الجنة منْزِلاً).

وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: ((ما من مسلمٍ يَعود مسلمًا غدوةً، إلاَّ صلَّى عليه سبعون ألف ملَكٍ حتى يُمسي، وإن عاده عشيَّة إلاَّ صلَّى عليه سبعون ألفَ ملَك حتَّى يُصبح، وكان له خريفٌ في الجنَّة).
ومعنى "الخريف": سكَّة "وطريق" بين صَفَّين من النَّخيل يَجْتني من أيِّهما شاء.

2 - اختيار الوقت المناسب:
فلا يعود في وقتٍ يسبِّب له حَرجًا أو ضجرًا، أو يشقُّ فيه على أهل المريض؛ ولذلك لم تنصَّ الأحاديثُ على تحديد أوقاتٍ لعيادةالمريض، قال ابن القيِّم رحمه الله: "ولم يكن من هدْيِه - عليه الصَّلاة والسَّلام - أن يخص يومًا من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتًا من الأوقات، بل شَرع لأمته عيادة المريض ليلاً ونهارًا، وفي سائر الأوقات".

وعلى هذا؛ فعلى العائد أن يَختار الأوقات التي اعتادها النَّاس، أو الأوقات التي يُسمَح فيها بالزِّيارة، ولا شكَّ أن العادة تختلف من بلدٍ إلى بلد، ومن قوم إلى قوم، ومن زمن إلى زمن.

قال الحافظُ رحمه الله: "وفي إطلاقِ الحديث: أنَّ العيادة لا تتقيَّد بوقتٍ دون وقت، لكن جرَت العادةُ بها في طرَفَي النَّهار".

قلتُ: مقصودُه العادة في زمَنِهم؛ لكي لا يشترط استمرارها، وهكذا يحمل كلُّ ما ورد عن السَّلَف، فقد نقلَ الأثرم عن الإمام أحمد أنَّهم قالوا له بعد منتصف النَّهار في الصيف: نعود فلانًا؟ قال: "ليس هذا وقتَ عيادة".

3 - العيادة لكلِّ مرض:
وذلك لعموم الأحاديث الواردة في عيادة المريض:
قال الحافظُ رحمه الله: "واستدلَّ بعموم قوله: ((عودوا المريض)) على مشروعيَّة العيادة في كلِّ مريض".

4 - ولا تُحدَّد أول الزيارة بوقت:
ذهب بعضُ العلماء إلى أنَّ عيادة المريض تبدأ بَعْد ثلاثة أيام من بداية مرَضه، وجزم بذلك الغزاليُّ في "إحياء علوم الدِّين"، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن ماجه عن أنس: "كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يعود مريضًا إلاَّ بعد ثلاث"، وهو حديثٌ ضعيف جدًّا، لا يجوز الاحتجاج به.

قلتُ: والرَّاجح ما ذهب إليه جمهورُ العلماء: أنَّ ابتداء الزيارة لا يُخَصُّ بوقت يمضي من ابتداء مرضه؛ لعموم قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((عودوا المريض)).
قال الحافظ رحمه الله: "ويُؤخَذ من إطلاقه: عدمُ التَّقييد بزمانٍ يَمضي من ابتداء مرَضِه، وهو قول الجمهور".

5 - ويُعاد المريض حتَّى ولو لم يعلم بِعُوَّاده:
فإذا كان المريض مثلاً فاقدًا للوعي، كأنْ يكون في حالة إغماء، أو صرَع، أو جنونٍ، فلا يَمنع ذلك من عيادته بحجَّة أن المريض لا يَعلم بِعُوَّاده.

قال الحافظ رحمه الله:
"ومجرَّد علم المريض بعائده لا تتوقَّف مشروعية العيادة عليه؛ لأنَّ وراء ذلك جبْرَ خاطرِ أهله، وما يُرجَى مِن بركة دعاء العائد، ووضع يده على المريض، والمسح على جسَدِه، والنَّفث عليه عند التعويذ، إلى غير ذلك".

قلت:
ومِمَّا يدلُّ على ذلك ما ثبت في الحديث عن جابر بن عبدالله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: مرضتُ مرضًا، فأتاني النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يعودني، وأبو بكر، وهما ماشِيَان، فوجدَاني أغمي عليَّ، فتوضَّأ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثم صبَّ وَضُوءه عليَّ، فأفقتُ فإذا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقلتُ: يا رسول الله، كيف أصنَعُ في مالي؟ فلم يُجِبني بشيء، فنَزلَتْ آيةُ المَواريث.

ومعنى "وَضوءه" - بفتح الواو -: هو الماء الذي توضَّأ به.
وترجم الإمام البخاريُّ لهذا الحديث، فقال: "باب: عيادة المغمى عليه".

6 - السؤال عن المريض وتعهُّده:
السؤالُ عنه؛ فلا يكفي أنَّه عاده، وانتهى الأمر، ولكن عليه أن يَسأل عنه أهلَه، ومن يقوم على تمريضه، ويتعهَّد أحواله - خاصَّة وقد يسَّر الله لنا بحمده تعالى وسائلَ الاتِّصال - فيكلِّمه هاتفيًّا من حينٍ لآخَر.

قال الحافظ رحمه الله:
"ويلتحق بعيادة المريض: تعهُّده وتفقُّد أحواله والتلطُّف به، وربَّما كان ذلك في العادة سببًا لوجود نشاطه وانتعاش قوَّته".

وفي "صحيح البخاري" عن ابن عبَّاس صلَّى الله عليه وسلَّم: أنَّ عليًّا رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في وجعه الذي توُفِّي فيه، فقال الناس: "يا أبا الحسَن، كيف أصبح رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قال: أصبحَ بِحَمد الله بارئًا"... الحديث.

قال ابن حجر رحمه الله:
"يُسنُّ السُّؤال عن حاله مِمَّن يَعلمه؛ لأنَّ المريض إذا بلَغَه ذلك يُسَرُّ به"..




موضوعات ذات صلة