فعالية شعرية قصصية ..اتحاد كتاب فلسطين ..بقلم / غنى منصور

2019-09-23 03:20:44


اتحاد كتاب فلسطين يحيي فعالية شعرية قصصية

غنى منصور

أقام فرع سورية للاتحاد العام للكتاب والأدباء والصحفيين الفلسطينيين فعالية شعرية قصصية بإدارة القاص أحمد جميل الحسن وحضور عضو الأمانة العامة الكاتب والباحث عبد الفتاح إدريس وتضمنت الفعالية مشاركات للسادة الكتاب والشعراء: وسام أبو خالد ، الدكتورة عبير سلمان مستشارة السيد وزير الإعلام ، وائل حميد ، الدكتور محمد عامر مارديني وزير التعليم العالي الأسبق.
شارك الدكتور محمد عامر مارديني بقصتين أولاهما بعنوان حدث ذات مؤتمر اتسمت بالطرافة وتناولت قصة أستاذ جامعي يذهب لحضور مؤتمر في إحدى الدول العربية فيقع في موقف محرج جراء لهفته لمساعدة أستاذ له في مأزق ورغم أن مبادرته مبينة على الوفاء والتقدير والاحترام لمعلمه إلا أن الآخرين يأخذون بظاهر المسألة ويضعونهما موضع شبه.
وقد رأى كل من الأديب والناقد سامر منصور والقاص نهاد عيسى والقاص أحمد رزق حسن أن القصة قابلة للاختصار والتكثيف خاصة في بدايتها وأثنى الحضور على عنصر التشويق في القصة.
وفي قصته الثانية بعنوان عريف الصف تناول الدكتور مارديني مجتمع الأطفال في المدرسة والتسلط من قبل المدرس ، ذلك التسلط المبني على غيرة المدرس على مصلحة الطالب ورغبته بتفوقه كي تنجيه شهادة من الفقر ومن الكثير من مصاعب الحياة وذلك يتماهى مع تسلط الأب لذات الغاية فيلحقون بالطفل أذى نفسيا عظيما وعقدة تصاحبه حتى يبلغ سن الرجولة ورغم ذلك يتقمص بطل الحكاية دور الراوي المحايد فقلما يعبر عن مشاعره ويغلب وصفه للحدث على ذلك وفي هذا الصدد قال الأديب والناقد سامر منصور: في جل قصص الدكتور عامر مارديني يتقمص دور الراوي المحايد فلايدين الشخصيات ولايطلق أحكام قيمة فقصصه ذات منحى موضوعي وهي نقيض لأدب الوعظ الذي يغص به موروثنا الأدبي العربي.
إن هناك مشاعر مختلطة تجاه الشخصيات يبثنا إياها القاص مارديني تاركا لنا تقييم أفعال تلك الشخصيات فهو يعيش مشاعر مختلطة تجاه تلك الشخصيات التي استمدها من واقعه ومن ذكرياته المعاشة حسبما صرح. فتلك الشخصيات معظمها جلب له الألم من حيث أرادت أن تجلب له الفائدة وهي ضحية جهلها وسوء تقديرها ولكنها مدفوعة إلى أفعالها بعاطفة الحرص والمحبة. إن قصص القاص مارديني مربكة كواقعنا فهي تقوم على المفارقات المستمدة من تناقضات في الشخصية العربية بكل تجلياتها بمعنى سواء كانت أبا أم مدرسا أم .. أم .. إلخ
ويحتسب للقاص قدرته على تحييد عاطفته تجاه الأحداث المؤلمة فهو يصورها لنا لنعيش ألمه لكنه لايسوق الجزاء أو النقد اللاذع إلى شخصيات قصصه وهذا مالم نعتده في الأدب العربي ، الواقعية الموضوعية.
وأردف منصور: وضعتنا القصة في أجواء دمشقية محببة عبر وصف معبر حملنا القاص فيه إلى أجواء عاشها معظمنا عندما كان تلميذا (رائحة مقعدي الحبيب مازالت عالقة بأنفي ، نقر مزاريب المطر في الحواري .. الخ ) وتقوم القصة على تناول فكرة التسلط ومايرتبط بها من توتر وتقويض للعلاقات الاجتماعية عبر أزلام المتسلطين غير الموضوعيين والذي جاء تجسيدهم في هذه القصة بشخصية عريف الصف. فتضمنت القصة اسقاطات خفت درجت تواريها حين قال القاص في نهاية القصة أنه عاد من مغتربه متعلما ناجحا كما خرج من وطنه ولكن دون أن يتعرض للعنف الذي تعرض له هنا فقد كان يستخدم معه الضرب المجدول ضمن عقوبات متنوعة فيها إبداع في الابتكار والتنفيذ تأكيدا من القاص على كون ثقافة العنف تراكمية في مجتمعنا حتى بلغنا فيها أن يستخدم الأب أساليب غوانتنامية مع ابنه كي يجبره على حفظ جدول الضرب وسواه ، بينما في مغتربه تعلم بطل القصة جدول عدم الضرب وحين عاد إلى الوطن خشي أن يتعرض لكيد شخصية لاموضوعية مرتبطة بالسلطة وأن لايشفع له علمه كما لم يشفع له تفوقه واجتهاده في الصف حين كان تلميذا وأن يتعرض لإجراء ما يتسم بالعنف من قبل مجتمع يمارس الطابع الوصائي الأبوي ممزوجا بالجهل مما قد ينتج التسلط.
ونوه منصور أن القصة مفتوحة على قراءات متعددة وأن تحليله للنص هو وجهة نظر وليس قراءة نقدية حصرية له وهذا من سمات الأدب الحديث الذي لايقدم مفاتيحه كانلة للمتلقي ويترك مساحة ليتلقى كل إنسان النص وفق ثقافته ورؤيته وتجاربه.
وأشار منصور إلى كون القاص الدكتور مارديني استطاع في نهاية قصته التعبير عن القيد النفسي الذي تفرضه ثقافة العنف المجتمعي بقوله أنه عندما دخل مطار البلاد كتف يديه عندما تخيل أن عريف الصف والأستاذ كف الغزال سيكونون بانتظاره وأنه شعر لسبب يجهله أنه سيتعرض لفلقة أمام الجميع. وهذا مؤشر إلى مصادرة حس المبادرة والشعور بالتوتر والقلق في هذا المجتمع المتبني لثقافة العنف. لكن سرعان ماينقلنا القاص إلى مشاعر المحبة والاشتياق تجاه أستاذه كف الغزال فهو يؤمن في النهاية أن هذا مجتمع محب ونواياه سوية لكنه لايجد من ينتشله من جهله ليرتقي إلى وسائل تعبير وتفكير أقل غنفية وأرقى إنسانية.
واختتم منصور مداخلته بالتنويه إلى القدرة على رصد التفاصيل وتوظيفها بغية الكشف عن أبعاد سيكولوجية للشخصية وعن دائرة التغذية الراجعة لهذه الأبعاد في النطاق السوسيولوجي.
ومن جهتها رأت الشاعرة والناقدة هيلانة عطا الله أن القاص مارديني استخدم الراوي الذي امتاز بالوصف الاخباري بأسلوب محايد بحيث لم يتدخل بالحدث والشخصيات وجعل المكان بطلا في قصته عندما أحالنا إلى تفصيلاته. وأشادت الشاعرة والناقدة هيلانة باختيار القاص مارديني لعناوين قصصه ونوهت أنها لمست شيئا من الببليوغرافيا وأردفت: رغم أن البناء السردي كان تقليديا إلا أن القاص عبر رصده للكثير من الأحداث واضفاء البعد الإنساني عليها (أنسنتها) حيث أضفى عليها شيئا من روحه مما جعلنا ننجذب للسرد. واستخدم ووظف التناص مع الموروث وجعلنا في المحصلة أمام قصص مميزة بفضل تكامل مكونها الفني.
وبدوره عبر الكاتب والشاعر خليفة عموري عن إعجابه بالقصة التي تضمنت اسقاطات سياسية وتندرج في أدب النوادر ونوه عموري إلى كون القاص مارديني ينتقل من حدث إلى حدث لتعميق المفارقة ببراعة.
وأشار القاص أحمد رزق حسن إلى كون القصص التي قدمها الدكتور مارديني تتسم بعنصر التشويق وبالعديد من المزايا القصصية اللافتة إلا أنها تضمنت تفاصيلا لاتغني الحدث ، قابلة للحذف وجاءت نهاياتها غير متوقعة وموفقة.
ورأى القاص نهاد عيسى أن القاص مارديني رغم كون قصصه شيقة ومحببة للقارئ عموما وللقارئ ابن البيئة الدمشقية خصوصا كون الحدث فيها كان يجري في دمشق ، إلا أن القاص مارديني حمل القصة تفاصيلا على حساب الحدث وأوضح أن القصة القصيرة لاتحتمل كل هذه التفاصيل.
وفي مشاركتها قدمت الكاتبة الدكتورة عبير سلمان نصوصا عبر بعضها عن موقف المرأة المثقفة الواعية المتحدي للفكر الماضوي اللاإنساني الذي شكل تيارات إرهابية في المنطقة العربية وقد مزجت الكاتبة بين مفردات من الماضي ومفردات من الواقع المعاش لتعبر عن التبايل بين ماهو تراث حضاري وبين ماهو فكر متخلف تجاوزه الوعي البشري ورأى معظم الحضور والأستاذة الناقدة والشاعرة هيلانة عطا الله أن إلقاء الكاتبة عبير كان متقنا ومعبرا عن محتوى النصوص التي جسدت صرخة من حنجرة نورانية ووقفة عنفوان وعز لها جذرها الحضاري في وجه ماتتعرض له سورية وأشارت الناقدة هيلانة إلى بعض الصور شعرية مميزة التي أجادت الكاتبة عبير تضمينها معان إنسانية ووطنية ونصحت الشاعرة هيلانة بتجنب المباشرة في الطرح التي وردت في بعض مقاطع تلك النصوص.
وقد شارك الكاتب وائل حميد بمجموعة نصوص وقصيدة تطرق فيها أيضا للعدوان على سورية وإلى الصمود السوري ببانوراميته الحضارية والاجتماعية والنفسية المسبوكة على إلتزام عقائدي بالقومية العربية وقد رأى الأديب والناقد سامر منصور تقريرية ومباشرة في الطرح وأن الكاتب وائل لم يستطع البةس عباراته لبوسا شعريا ولم يستطع نسج فضاء مؤثر عبر الصورة والتراكيب الشعرية.
بل التزم بالواقعية الفجة دون الاشتغال عليها لتكون نصا أدبيا يلامس الواقع من خلال الاسقاط والتورية والمعادل الموضوعي وفنيات حداثوية أخرى حلت محلها التقريرية والخطابة والسجع الذي اعتمده الكاتب وائل حميد.
ومن جهتها أكدت الكاتبة والشاعرة نوال حمد على ضرورة إهتمام المشاركين الدكتورة عبير والكاتب وائل باللغة العربية وتقديمها بشكل سليم من خلال نصوصهم وأن اللغة السليمة لاتقل عن أهمية الإبداع ذاته.
ولفتت الناقدة والشاعرة هيلانة عطا الله أن الكاتب وائل استطاع اطراب المتلقي من خلال قصيدته الموزونة واختار القافية بشكل موفق لكنه في نصه الذي اعتمد فيه السجع كان يقوم بلي عنق المفردات كي تتماشى مع السجع.
ونوهت هيلانة إلى كونه أكثر من ذكر الأماكن وهذا يقرب المتلقي السوري من النص.
ومما قدمه الشاعر وسام أبو خالد نقتطف:
وأنا أتكئ على شرفات الوقت
يلمحني وجه الريح
فيمد إلي خيوط البوح الراجل من عينيه
ياوجه الريح
يادمع القمر المتساقط
فوق نشيج الأرض الثكلى
يامطر الوجع الغافي
فوق خمائل روحي
طهرني
اغسل عني تعب الأيام الظمأى للفجر
كن ديدن كل الأحزان المنثورة
في قلبي
كن طوطم فردوسي
وافرد أجنحة الحلم على جسدي
على ذات ربيع آت.. أحلق نحوي
أشاد الحضور بما قدمه الشاعر وسام أبو خالد ونوهت الشاعرة والناقدة هيلانة عطا الله إلى الانزياحات الملفتة المعبرة وإلى كونه نجح في كتابة قصيدة تندرج ضمن فئة قصيدة النثر وهي فئة من القصائد تتطلب الكثير من المسائل لإجادتها وأشارت هيلانة إلى الصورة الشعرية والتركيب الشعري المميز لدى الشاعر وسام.