انتصار على شفير الضياع ..بقلم / منى البريكي

2019-10-14 03:07:03


"انتصار على شفير الضياع"     
كاد شبابها يذهب أدراج رياح بطالة ألقمتها ذل سؤال والديها؛و هي فتاة تجاوزت عقودا ثلاثة توجتها بعدة أطر مزخرفة أحاطت شهادات نجاح و تفوق علقت بصدر البيت. و كأنما حصدتها فقط لتتباهى بها أمها أمام الأقرباء و الجيران.فقررت انتصار  قبول العمل كمنسقة في أكبر مؤسسة ثقافية بالمدينة بعد وساطة من صديقتها لدى والدها مالك الدار لما عرفته عنها من ولع بضروب الشعر و الأدب و الفنون.
كان وجعها يتردد في غضون آهات متلاحقة ترسلها زفرات حارة و هي تجتهد في عملها آناء الليل و أطراف النهار؛ عسى أن تظفر بتقدير أو ترقية من ولي نعمتها لكن دون جدوى.فقنعت براتب شهري لا يفي بحاجياتها في انتظار معجزة حصولها على وظيفة تتناسب و طموحاتها بعد أن سئمت المشاركة في المناظرات الوطنية لسنوات متتالية.
ذات صباح؛ و ما إن دخلت مكتبها حتى جاءها خبر انتقال رئاسة الإدارة للإبن البكر لرب العمل بعد وفاة والده إثر أزمة قلبية مفاجئة منذ أسبوعين.تجاهلت الأمر خصوصا و أنه كان عليها تحرير كلمة تأبين للفقيد لتلقيها ليلا أمام الأصدقاء و الموظفين في حفل تنصيب المدير الجديد. و عند استراحة الغداء خرجت الى المطعم المقابل للمؤسسة فوجدته يعج بزملائها الذين لا حديث لهم إلا عن الاحتفالية التي ستخرجهم من رتابة اليومي المعتادة.اتجهت صوب كرسي  واحد شاغر و جلست قبالة شاب متجهم القسمات يلوك قضمة  خبز دون أن يعيرها انتباهه و الطبق أمامه مليئ بالطعام.
نظرت إليه باستغراب و سألته:
-"ما الذي يحزنك و كأنما يجثم على أنفاسك طائر الموت؟"
فرد دون أن يكترث بالنظر إليها قائلا:
-"لو انتبهت إلى هندامك أكثر من اهتمامك بالغير لكنت الآن زوجة أيتها العانس المتطفلة."
ثم قام و خرج غير عابىء بوجوم وجهها الذي علاه الشحوب و غبش صدمة سرعان ما تجاوزتها و هي تتمتم ساخطة:
-"يالك من مغرور!عجبا كيف تسنى لك أن تعرف عدم ارتباطي و أنت تنظر في الفراغ بعينين زائغتين؟ "
كانت الساعة تشير الى السابعة مساء حين دخلت انتصار
قاعة الإحتفال و هي في كامل أناقتها. بعد أن صبغت  شعرها بلون حبات القهوة.وشدته إلى  أعلى بسفيفة استعارت حمرتها من  شفتيها و أظافر أصابعها الرقيقة. و ارتدت فستانا أسود يليق  ببياض بشرتها أكثر مما يليق بالمناسبة.فكانت تتدفق أنوثة و هي تبتسم للحاضرين الذين أتوا من كل صوب وحدب و كأنهم في يوم الحشر.
 استجمعت رباطة جأشها و هي تعتلي المنصة لتلقي كلمة الافتتاح التي كتبتها أثناء انتظار دورها عند الحلاقة.و انبرت تقول بصوت متهدج:
-“  إني لأعزيكم  و أعزي نفسي قبلكم في هذا المصاب الجلل .و إن ما يثلج صدري أن أيام عملي مع المرحوم – أو ما عشته  و ما تعلمته منه  من إخلاص  في العمل و جد و مثابرة : أعني كل الدروس التي استخلصتها المرة تلو الأخرى، عندما يساعد كاتبا مبتدئا، بينما أبقى مندهشة لتصرفه و احتفاظه بكتب لم يغنم منها مليما واحدا ، ثم سعيه الدؤوب لنشر القيم و إيصال الفن و الأدب الى شباب المناطق النائية في أقاصي البلاد  – هي كل  ذكرياتي مع رجل فذ و مثقف أشوس كان رئيسي  و معلمي و ملهمي . و إنني أسأل الله أن يلهمنا الصبر و يعوضنا خيرا في سلفه؛ابنه المثقف ،المتقد نشاطا و حيوية ليكون أفضل من يواصل مسيرة أبيه.و أدعوه الآن و بكل لطف إلى كلمة يلقيها  أمام ضيوفه الكرام.”
و ما إن أنهت كلامها حتى اشرأبت الأعناق  نحو شاب وسيم؛ يرتدي بدلة كلاسيكية سوداء؛يقترب منها واثق  الخطوات و هو يبتسم للجميع.و ما أن التقت الأعين  حتى سرت قشعريرة في كامل جسمها و أحست بقلبها ينتفض بين جوانحها كمن أصابته حمى ارتجفت لها أوصاله.و همست في سرها:"حنانيك يا ربي. إنه  الشاب الحزين الذي التقيته منذ ساعات! لا شك أنه سيقيلني."
ناولته المصدح و أرادت النزول لكنه استوقفها بجانبه و هو يهمس :"كنت سأطردك  اليوم؛ حين رأيتك كالمتسولة. اما الآن فقد انقلبت الموازين.صدق من قال" تكلم لأراك".اعتبري نفسك من هذه اللحظة مساعدتي ومديرة مكتبي."
بقلمي :منى البريكي/تونس