رسائل خريفية ..خواطر أ. سحر القوافي

2020-01-21 01:08:57


العنوان : رسائل خريفية
                         خاطرة بقلم الأديبة سحر القوافي
الرسالة الأولى:
يكتبني الخريف على أوراقه الصفراء المتساقطة تدروها الرياح.. ودموعي تنساب مع قطرات المطر ..يتجمع رعاف جراحي لأغرق فيه وأركب سفينة الوجع تسوقها أشرعة المحن نحو غيابات الظلام والسراب..فأنا من غابر الأزمان أفتش عن وطن..
كيف أعيش بعد اليوم وفي روحي اجتمعت كل الهموم؟! كيف أحيا بكل هذا الشجن؟! قطعوا قلبي أمام عيني وشيعوه في كفن.. أتراهم يشربون نزيفه ويرقصون على بكائي ونحيبه؟! 
بعد أن شيعت قلبي بالدموع.. بسجود ودعاء وخشوع.. وكسروا مني الضلوع أتراني سأحيا من جديد..وأشعل لميلادي الشموع؟! أتراني بغير نبض سأعود وأحمل دمية وألتمس في الحياة طريق الرجوع؟! أتراني سأبقى وأعيش وقد صلبت على قهر الرحيل وأبحث عن سبيل للخلاص؟! فلا أرى حولي غير العتم يلف درب السراب.. تتيه بي الخطوات لأسقط في غياهب العذاب.. ولا أسمع سوى صدى نحيبي.. يردده الردى بضلوعي
لكم تمنيت أن أجد وطنا أبكي فيه.. ولكن.. ما وجدت غير أشلائي ونزيفي.. أتخبط فيه كشاة لم يحسن ذبحها.. تنتفض من سكرات الوجع..
الرسالة الثانية:
لوجهك غواية وحكاية  مقتطفة من وشيج الروح و لأحلامي المعتقة  بين أسوار الوجع تجف الأقلام وتنكسر المرايا..روايتي معتقة ممتدة الفصول بلا نهاية.. 
انا هنا.. فيافي  أرهقها الحنين لمزن الشتاء.. أغنية حزينة من ناي النشيج
وأشجان الليالي على مذابح الحنين ووجيب الاغتراب القاسي..
حكايتي  أنجبتها  سياط الجلاد والمنافي وأكداس الصقيع يفترشه البائسون والمحرومون في وهاد الظلام  ..
وعلى أوتار الروح تعزف الٱلام..وتعزف سكرات الحمام.. ويعزف الفناء
وما تبقى مني غير الوجع والهم..ودموع أسفكها خلف ظلال الوطن..ما تبقى مني غير السراب والوهم..وهيكل محشور في غياهب العتم..ما تبقى مني وقد أمسيت بلا لون ولا حلم..ما تبقى مني في وطن تجرعت فيه العلقم والظلم..في وطن أفتش فيه عن وطن..بلا هوية أمضي ولا اسم..أعيش فيه مجرد رقم
لم يتبق يتبق لي من وطني غير اسم وهمي قيدوه في هوية من ورق..ثم أشعلوا عود الثقاب ليحترق..ليس لي من وطني غير الوهم ..فأنا مجرد رقم..سيحذف لو حاولت أن أعترف أني مجرد حكاية من ألم..أو أني خلقت موؤدة في كفن وأني بقايا امرأة منفية في العدم..
هذه أنا والناس في بلادي أشباهي..نحن مجرد بقايا هدتنا المحن والرزايا..فقدنا ظلالنا والمرايا وولجنا في العتم..ننتظر المقصلة والانتهاءوالعدم ..مجرد صور مفرغة من الحياة ..معبأة بالشجن..لو أرادت التشرش بالنجاة ..رموها في غياهب السجن..
الرسالة الثالثة:
 لو تدرك يا سيدي أي هم أحرق أضلعي.. وأي شجن أسال مدامعي.. وأي أسى يقض مضجعي.. لو أدركت حجم دمار الحضارة حين نتحول إلى عدم أو ظلال في وطن.. أو إلى بقايا أشواك وردم.. تدرك حجم التلف والخسارة.. وتدرك كيف تحرق أوتار القيثارة..وكيف ينبعث ذاك الوجع في اللحن.. كيف يتحول دخان الروح إلى عبرات وكمد وشجن.. كيف نحيا في الحمم.. أواه لو تدرك يا سيدي حجم العتم.. لو تدرك حجم القهر والدمار.. وحجم سكرات الاحتضار.. لو تدرك لم أقام الليل في الديار.. وتدرك لماذا نفتقد ظلالنا في الظلام.. وتقبر الأحلام في الآلام.. لو تدرك حجم الدمار الذي أعاثوه بروحي.. وكيف نتقوا بأظافرهم جراحي.. وكيف ألقوني في السعير.. ليتدفأوا بلهب احتراقي.. فمن بوسعه أن يعيد بناء الحضارة؟! ومن يرمم بشريانه أوتار القيثارة؟! ومن يعيد إلينا رسم الوطن؟!
دعني أسح الدموع لعلها تطهر روحي.. لعلها تغسل صدأ جراحي.. لعلي أجد خيط أمل أتشبث به كي لا أسقط في العتم..
دعني.. أكسر قيد الفؤاد.. قبل أن يواريني التراب.. فإني لن أحيا وفي قلبي كل القتاد..
  خاطرة بقلم الأديبة الجزائرية سحر القوافي




موضوعات ذات صلة