الدودة والثعبان!! بقلم الدكتور مصطفى زلوم

2020-01-25 18:47:30


.

مما حوته الذاكرة الأدبية المعشوشبة ، مسرحية قديمة للكاتب المسرحي والأديب الشاعر المصري الحضرمي "الإندونيسي" المولد الأستاذ: (علي أحمد باكثير) رحمه الله بعنوان (الدودة والثعبان). والتي خرجت من بين أنامله السحرية كجوقةٍ أدبيةٍ بنكهةٍ تاريخيةٍ صادقة! وفيها ألقى أستاذنا الضوء الخافت الرقيق ، على هرم عظيم ، أو قل بحر خضم مطمور تحت تلافيف الماضي الغير سحيق!

الشيخ (سليمان الجوسقي) رحمه الله وغفر له. تلك الدودة العمياء الضعيفة ، والتي استطاعت بقوة العزيمة وعلو الهمة.. أن تصرع الثعبان في عقر جحره! إنه (الجوسقي) يا سادة ، ابن قرية (جوسق) من أعمال (بلبيس) بمحافظة الشرقية. ذلك الطفل الكفيف ، والذي أرسله والده لتلقي العلم بالأزهر الشريف بالقاهرة ، بعدما أتم حفظ كتاب الله عن ظهر قلب! فكان والعاصمة والثورة والزعامة ونابليون بونابرت والتاريخ على موعد سري ، موعد نُسجت خيوطه في غياهب مظلمة كالحة لا يراها أحد سوى ذلك الشاب الكفيف! ثم الرجل الكفيف ، ثم الشيخ الكفيف. رئيس طائفة العميان بعموم البلاد!

كانت كل المؤشرات تدل على أن ذاك الشيخ الأعمى ، والذي يعجز عن إبصار من يحدثه ، ولا يلحظ من ينظر له شذراً ، ستكون له قصة "عجيبة". قصة خلدها المؤرخ الكبير (عبد الرحمن الجبرتي) ، في كتابه العريق (عجائب الآثار في التراجم والأخبار) ، والذي أرخ فيه بكل تحيز لصالح المحتل الغاصب ، شأنه في ذلك كشأن أغلب كتاب التاريخ عبر التاريخ ، إذ لا يدونون من أسماء سوى المنتصر ، بيد أن "الجبرتي" في هذه المرة قد وقف "انتباه" ، وعصاه القلم فلم يخطط غير الحق! ضارباً بتزلف صاحبه عرض الأوراق.

فقد قال المؤرخ عنه في (عجائب الآثار - ج٢ صفحة ٢٧٨): ومات العمدة الشهير الشيخ سليمان الجوسقى شيخ طائفة العميان بزاويتهم المعروفة الآن بالشنواني ، تولى شيخاً على العميان المذكورين بعد وفاة (الشيخ الشبراوي) ، فسار فيهم بشهامة وصرامة وجبروت ، وجمع بجاههم أموالاً عظيمة وعقارات. فكان يشتري غلال المستحقين المعطلة بالأبعاد بدون الطفيف ، ويخرج كشوفاتها وتحاويلها على الملتزمين ويطالبهم بها كيلا وعينا ، ومن عصى عليه أرسل إليه الجيوش الكثيرة من العميان فلا يجد بداً من الدفع ، وإن كانت غلاله معطلة صالحة بما أحب من الثمن ، وله أعوان يرسلهم إلى الملتزمين بالجهة القبلية يأتون إليه بالسفن المشحونة بالغلال والمعاوضات من السمن والعسل والسكر والزيت وغير ذلك ، فيبيعها في سني الغلوات بالسواحل والرقع بأقصى القيمة ، ويطحن منها على طواحينه دقيقاً ويبيع خلاصته فى البطط بحارة اليهود ، ويعجن نخالته خبزاً لفقراء العميان يتقوتون به ، مع ما يجمعونه من الشحاذة في طوافهم آناء الليل وأطراف النهار بالأسواق والأزقة ، وتغنيهم بالمدائح والخرافات وتلاوة القرءان فى البيوت وعلى مساطب الشوارع وغير ذلك.

ومن مات منهم ورثه الشيخ المُترجم المذكور ، وأحرز لنفسه ما جمعه ذلك الميت ، وفيهم من وجد له الموجود العظيم ولا يجد له معارضا فى ذلك". أنتهى كلام الجبرتي. لقد كان الشيخ شعلة من نار ملتهبة ، عقل مدبر حاذق ، وقائد مهاب بالفطرة ، فكان حري به أن يصير -يوما ما- قائداً وثائراً وزعيماً. أما الفرصة وقد سنحت ، ومع الغزو الفرنسي بقيادة طفل أوروبا المعجزة "بونابرت". ذلك المجنون الذي ظن نفسه زعيم الكوكب ، وطغت على عقله الفكرة التوسعية القديمة ، فعادت معه تؤرق نوم البابا وتنغص عليه الراحات ، وكأنها جرح قديم عاد لينزف ، بعدما ظنونه قد اندمل!

جاء نابليون إلى الشرق محملاً بدعوات البابا ، ومتوجاً بأكاليل الغار ، والتي كان يظن أنها لن تفارق عنقه إلا على أسوار (البلدة القديمة). فجاء يمهد طريق الرب ، ولو كان على أشلاء الملايين. ليقف له الشيخ الضرير بالمرصاد ، وكأنه الطود العظيم ، ومن ورائه مئات العميان. فمع إندلاع أحداث ثورة القاهرة الأولى ضد الفرنسيس ، إنحاز الشيخ الكفيف لصالح عرض بلاده ، وطوع الثروة المالية والبشرية الهائلة التي تحت يده لخدمة القضية والتكليف. فرفع الحرج عن المبصرين ، وهو الذي رفع الله تعالى عنه الحرج كله! لقد ألقى الشيخ بجسده وعمره كله في آتون الثورة ، وصار بين الناس كعصفور النار ، لا يحل على كومة قش إلا واشتعلت ، وما ارتحل عنها إلا وقد نال منها شررا ، فيأخذه لما تليها.

وفي كتابه الجامع (المقاومة الحضارية: دراسة فى عوامل البعث فى قرون الانحدار) قال عنه الكاتب الأستاذ (هاني محمود): كان الجوسقي شيخا لطائفة العميان ، وقد أحسن تنظيمهم وتفانى فى خدمتهم ورعايتهم واستخلاص حقوقهم ، وتفنن فى وسائل توفير الموارد لكفايتهم ، حتى صار للعميان فى عهده صولة بحيث يُخشى منهم. ولم يقتصر عطاء الشيخ على طائفة العميان فقط ، بل كان يُقرض أكابر البلاد الأموال الكثيرة".

ويكمل: وعندما قامت الثورة ضد الفرنسيين ، عرف نابليون أن الشيخ الجوسقي ورجاله العميان من صنّاع هذه الثورة ، لذا أمر نابليون بالقبض عليه ، وحاول استمالة الشيخ ، فقدم له العديد من العروض التي رفضها وقابلها بالاستهزاء ، إلى أن قدم له العرض الأكبر ، وهو أن يجعله سلطاناً على مصر ، فأظهر الشيخ قبولاً للعرض ، ومد نابليون يده إليه متنفساً الصُعداء ، ومد الشيخ يده اليمنى مصافحاً إياه ، وكانت المفاجأة أن رفع يده اليسرى ليصفع الأوروبي العظيم صفعة قوية على وجهه. "انتهى"!

ويثور القائد أزرق العينين ، ويحمر خده وتظهر عليه الخمسة أصابع كالوشم الخماسي على لوح الرخام الناعم ، ويتمعر وجهه ليخرج عن تقاليده الأروستقراطية العريقة ، فيأمر بقتله! ويقتل الشيخ ويلقى بجسده في ماء النيل. لتطفو جثته بعد أيام على صفحة النهر ، وكأن النهر -حزنا عليه- قد قرر تشييعه في مشهد مهيب ، جاء يحمل جثمانه على رقائق صفحته ، منتحباً خلف لحيث مثواه الأخير. ليخلد ذكر الرجل ، ضارباً بقوانين كتاب التاريخ عرض الحائط ، وليفسح مجلساً بين العظماء المنتصرين ، لأول مرة يخلد فيها المغلوب! ويذوب بماء المجاري ذكر قاتله!

إنها حالة تشبه حالة القائد الألماني (روميل) خالد الذكر ، والذي طغى ذكره -وهو المغلوب- على ذكر غريمه المنتصر (مونتجمري). قائد قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. فإن كان للمؤرخين قانونا فقد كان الجوسقي أول من خرج عليه ، وإن لم يكن لهم فقد أرسى الشيخ لهم قانونا جديدا ، لو أخذوا به لأصبحوا من النبلاء!




موضوعات ذات صلة