أكون أو لا أكون

2020-04-09 21:27:48



بقلم : تامر إدريس

عبارة افتتح بها مشهد الراهبات من الفصل الثالث(المناجاة الفردية) في مسرحية (هاملت) للأديب العالمي (ويليام شكسبير) لكننا لسنا بصدد الحديث عن هذا العمل الفني على أهميته ولكنه الإسقاط والاقتباس لاغير...

في تحدي البلاء، في قهر الوباء، في إنهاء العناء؛ أنا المسلم "أكون أو لا أكون"... 

أسس وآداب حثنا الشرع الحنيف على تلمسها والسير على هداها لتجاوز الأزمات ولتذليل الصعاب، نعرض لبعض منها عسانا نسترشد بضيائها لعبور هذا المنعطف الصعب في تاريخ وجودنا كبشر أولا وكمسلمين ثانيا:

١_ البلاء ليس خاصا ولا يشترط كونه عقابا :
قال سعد رضي الله عنه: "يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَي النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ؛ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ" (رواه الترمذي وأحمد بسند صحيح).
فلست وحدك أيها البائس المبتلى؛ ألم تسمع ماذا قالت الخنساء؟!
وَلَولا كَثرَةُ الباكينَ حَولي *** عَلى إِخوانِهِم لَقَتَلتُ نفسي 
وَما يَبكونَ مِثلَ أَخي وَلَكِن *** أُعَزّي النَفسَ عَنهُ بِالتَأَسّي

٢_ في الألم أمل ومع المحنة منحة :
لا يقدر الله شيئاً إلا لحكمة بالغة، وعاها من وعاها، وجهلها من جهلها، وكم في المصائب من ألطاف؟!
فكم من شارد عن ربه، يبتليه مولاه بحادث، فيكون الحادث سبباً في توبته ورجوعه لمولاه!
وكم من حادث أنجى من حادث أكبر منه!! ولكن أكثر الناس لا يعلمون..

٣_ وجوب اللجوء إلى النافع الضار :
لايحدث شيء في ملك الله إلا بإرادة الله وقضائه، وتذكر جيداً وصية النبي لابن عباس -كما هي وصيةٌ للأمة كلها ـ: "أنّ ما أصابك لم يكنْ لِيخطِئك وما أخطأك لمْ يكنْ ليصيبك" فلِمَ الجزع؟! ولِمَ التسخط؟!
ولنتفكر ونتدبر؛ ماذا جلَب الجزع والقلق على أهله؟! هل صلحت أحوالهم؟! هل رد قلقهم ما كتب عليهم؟! أبداً والله… بل خسروا كثيراً..

٤_ الدنيا ممر لامقر، وفانية لاباقية، دار ترح لافرح :
متى عرفت حقيقة الدنيا تسترح.. والعوام دوما يقولون : ما عليها مستريح!!، أبدع الشاعر حين وصفها بقوله:
طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها *** صَفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ
وَمُكَلِّف الأَيامِ ضِدَّ طِباعِها  *** مُتَطَّلِب في الماءِ جَذوة نارِ
وَإِذا رَجَوتَ المُستَحيل فَإِنَّما *** تَبني الرَجاءَ عَلى شَفيرٍ هارِ

٥_مانزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة:
رجوع العبد لربه وندمه وتضرعه مع حسن ظنه به ضمان للنجاة وفي ذلك يقول الشاعر:
أحْسِن الظن برب عوّدك *** حسناً أمسِ، وسوّى أودك
إن رباً كان يكفيك الذي *** كان بالأمس، سيكفيك غدك
وخير من ذلك قول الله -عز وجل- في الحديث القدسي الصحيحِ: "أنا عند ظنِّ عبدي بي، فلْيظنَّ بي ما شاءَ".

وأوضح الله تعالى في كتابه في أكثر من موضع أن السبب الرئيس لابتلائه لخلقه هو التضرع، ليفروا إليه، لينتهوا عن الباطل، ليتوبوا إليه ومن ذلك قوله تعالى:

فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴿٤٣ الأنعام﴾
فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴿٤٢ الأنعام﴾
تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ﴿٦٣ الأنعام﴾
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿٥٥ الأعراف﴾
إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ﴿٩٤ الأعراف﴾
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً ﴿٢٠٥ الأعراف﴾
وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴿٧٦ المؤمنون﴾
وفي الختام، نلجأ إلى الله تعالى بأنفس صافية، وأكف عالية، وأدمع بالأسى والندم جارية ندعوه بدعاء الصالحين؛ "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين"....




موضوعات ذات صلة