ففروا إلى الله الحلقة 23 .. بقلم عزه عبد النعيم

2020-05-19 23:19:13


فَفِرٌوا إلي اللهِ 
الحلقة الثالثة و العشرون 

توقفنا في الحلقة السابقة عند أنه ربما كان الصبر علي ظلم الآخرين ل حكمة لا يعلمها إلا الله عز و جل 
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) . وبالصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين عليه و علي آله وصحبه أجمعين فإن الصبر في لغة العرب يعني الحبس والكف . 
يُقال صبرت نفسي على ذلك الأمر أي حبستها عليه . 
ومنه قول الله تعالى : 
( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) الكهف 28 
وأما الصبر في الإصطلاح،  فهو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع 
فالصبر إذًا هو حبس النفس عن الجزع والتسخط والشكوى . 
وهو أنواع ثلاثة : 
صبر على طاعة الله . 
صبر عن معصية الله . 
صبر على قضاء الله وقدره في البلاء .   
وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالصبر
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ) 
آل عمران 200 
وفي ذات السورة ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) 
آل عمران 120
 وفيها أيضا ( فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) 
آل عمران 146
والآيات التي تحض على الصبر وتبين فضله كثيرة . 
وقد كان الرجلان من أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر وفيها :
(وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) .   
و ليس الصبر محمودا دوما فهناك من المواقف ما يكن الصبر فيها مذموما .  
فإذا كان الذي آذاك أحد أبويك فصبرك على أذاه صبرا محمودا لاشك لأن الابن مأمور بطاعة والديه إلا في معصية 
( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ) 
لقمان 15  
فالمؤمن مأمور بأن يدفع عنه الأذية 
اللهم إلا إذا كان لايستطيع أن يدفع عن نفسه الأذى فيصبر .. أو كان قادرا ولكنه أراد أن يعفوا ويحتسب الأجر والثواب لقول الله تعالى : 
( وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ) 
النحل 126 
شرط أن يكون صبره لله تعالى .. أي الباعث عليه محبة الله تعالى وإرادة وجهه والتقرب به إليه .   
المسلم المؤمن دوما عزيز بدينه وإيمانه لايرضى الضيم والظلم لنفسه ولا لغيره فقد كتب الله تعالى العزة للمؤمنين . 
فقد قال المنافقين عند عودة المسلمين من غزوة بني المصطلق كما جاء في القرآن الكريم 
( لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ )  . 
وقال الله تبارك وتعالى : 
( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) 
المنافقون 8 
فالمسلم الذي يقع عليه ظلم أو ضيم في بلد ما وهو يستطيع الخروج من ذاك البلد فليخرج ولا ينبغي أن يستسلم للظلم .
( ياعبادي الذين آمنوا يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) 
العنكبوت 56   
ولاينبغي أن يصبر المسلم على من يحاول أن يجره إلى معصية سواء كانت قول أو فعل بل عليه أن يدفعه و بكل حزم و إصرار ثم يحاول أن يصلحه إن إستطاع اما إن لم يستطع عليه فقط بالدعاء له بالهداية و إن يكفيه الله شر النفوس المريضة و القلوب الضعيفة .
وقد أجاز الإسلام المعاملة بالمثل . 
فقال تعالى : ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) 
وقال عز و جل : ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ) . 
وذلك لأن الإسلام يتوخى العدل ويكره للمؤمن أن يذل نفسه . 
وقد روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن إمرأة سألتها فقالت : إن لي جيراناً يهينونني وجيراناً يكرمونني . 
فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها : أهيني من أهانك وأكرمي من أكرمك . وهذا هو العدل والإنصاف في ديننا الحنيف . 
و رغم ذلك هناك القلوب السليمة الجميلة التي تُسامح وتتغاضي عن أذية الآخرين و تحتسب كل ذلك عند المنتقم من الظالم الجبار لكل من ظُلِمَ . 
و الله المستعان علي ما يصفون و صبر جميل 
و إلي لقاء في حلقة جديدة إن شاء الله 

عزة عبدالنعيم