مجاز... بائع الكتب/ بقلم ذ..عبد الإله ماهل/ المغرب

2020-05-27 21:28:21


مجاز...بائع الكتب
وأخيرا رن جرس الهاتف، وعلى عجل من أمره، استدار وأمسك بالسماعة، أرهف السمع طويلا عله يتصيد خبرا، إلا أنه لم يحصد إلا لغوا مسترسلا، لا يعنيه في شيء، وكأن هذه المكالمة أخطأت وجهتها.
وبحركة عصبية، أعاد السماعة الى مكانها.
لقد كان يمني النفس ان يأتوه بالخبر اليقين، بدل الإنتظار الإنتظار، وبوادر الإفلاس أصبحت تلوح في الأفق، وشبح السجن المحقق لا يبارح مخيلته ولو لدقيقة.
استلقى على ظهره وشد على رأسه بكلتا يديه، فتراءت الأحداث بين ناظريه، وكأنها شريط متعدد الحلقات، بدايتها تمة فرشة، أملتها عليه ظروف عرضية، لا تتعدى كتبا يكاد القدم والعفن ان يأتي عليها، فرضت عليه آنذاك، كمراجع وحيدة لاجتياز الإمتحانات، وبأسعار كانت تنخر منحته الجامعية، وعلى مر السنوات ختمت بشهادة، ظلت حبرا على ورق.
ساعتها، لم يستسغ أن يسري عليه ما يسري، على ذوي الرصيف من باعة، متسولين و... فكان جوابه، مجابهة لذوي السلطه والتسلط، ليجد نفسه في مخفر الشرطة فالمحكمة فالسجن، على خلفية إهانة موظف، عرقله السير... ومن تم سجلت عليه كسابقة، حرمته حقه في الوظيف.
لم يجد له من عزاء، تدبرا لعيشه، سوى امتهان الفرشة على الرصيف، فالأسواق، فالتجوال، مما أهله الى اكتساب مهارات، سرعان ما أتت أكلها. 
قام باستقطاب أعدادا من العطل، وفي حدود نسب مئويه على رقم معاملاتهم،  وتعاطى الى التجارة عن بعد، ومن خلالهم خبر السوق وما يختزله من أسرار.
كبرت تجارته وزادت طموحاته، فتصادف ذات يوم، نفاذ مخزون مورديه، مما أدى به إلى الاستنجاد بالخارج، ومن تم تغطية طلبيات زبائنه.
إلا أنه، وبقدر ما تزايد ثراؤه تزايد اعداؤه، فتكالبت عليه الاكراهات، وأصبح عرضة للمضايقات، ولعبة بين دائنيه ومدينيه، الى ان انتهى به المطاف على طلبية من الخارج. 
غير أن هذه الطلبية ولأسبات خفية، لم تجد طريقها الى الداخل،وظلت حبيسة الجمارك، فكانت الضربة القاضية التي قصمت ظهر البعير. 
وهنا فطن اللعبة، وأيقن أنه سقط في المحظور، ولا من خلاص له سوى الارتماء، ذليلا صاغرا، بين أحضان هؤلاء الحيثان، من ذوي الامتيازات، وحدهم دون سواهم يملكون الحل والعقد. 
وعلى غير بغثة، طرق الباب فكان الحل أشبه ما يكون بالعقد، وعلى مضض ارتضاه مخرجا واذعن لإملاءاته على الفور، مكنه من الخروج خاوي الوفاض، والنأي بنفسه خارج السجن.
تدمر، تأفف، تحسر، وما من حيلة حياله، تنسيه فاجعته وتلهمه الصبر والسلوان. 
رجع الى نفسه، هدأ من اعصابه، تريث قليلا، فكر مليا وذات يوم، شمر على ذراعيه، تأبط فرشته، فانطلق من حيت أتى، لايلوي على شيء، اللهم تدبر المليون الأول.
وعلى قارعة الطريق، انبعث من جديد، كالفينيق الذي ينبعث من رماده، ليطل عليه صبح جميل.
                                                  تأليف: ذ. عبدالاله ماهل
                                                               من المغرب




موضوعات ذات صلة