القفزة من نافذة العالم/ بقلم إبراهيم عمار

2020-06-02 23:18:37


القفز من نافذة العالم - قصة إبراهيم عمار- من مجموعة القفز من نافذة العالم اصدار2018

هى البراح الواسع على امتداد الأفق، إذ تعانق قممُ الهضاب قطعَ السحاب البيضاء المتناثرةعلى صفحة السماء ، ترمي بظلالها بطن الوادى فتكتسى شٌجيراته القصيرة كثيفة الأوراق مسمارية الشكل بلونها الداكن تارة، ولمعة بريق الشمس تارة أخرى، تحت فتحات أبواب السحاب المتقاطرة .

يتسلل الهواء باردا إلى رئتي من زجاج نافذة العمرالذي يسابق الأسفلت، بينما تتهاوى أعمدة الكهرباء ولافتات الطريق خلفنا، مرات ومرات مررنا من هنا ، منذ نعومة الأظافر حتى اخضرار القلب، رحلة أبدية نمر بها ونردد كل تفاصيلها فى يقظة الحلم، كم تمنيت لو توقف العمر بي هنا لحظات، أخطو علي صفحة الرمل الناعس هناك فى سلام، ألوذ بكهف فى صخور الوادي القريب ،أو أرنو إلى تبة عالية فأضرب خيمتى تحت ظل نخلة تدنو علي بطيب ثمرها، فتتفجرمن تحتي عيون الماء.

تحفني طيور القمرى والبلابل وقطعان الماعز والغزلان، متكىء أنا على كومة الرمل الباردة أرتل بيت القصيد، وهى تغزل من خيوط الصوف لى قميصا كقميص يوسف ، تعزف أنفاسها الرطبة أنشودة حياة، يأتينى هواها البكر معطرا، ينفث فى الوادي الخصيب نداه، فيذوب القلب شعرا ، بينما تترقرق حبات الماء إذ يداعبها نسيم الصبا المعطر بأريجها العذب .

كم حلمت بهذا البراح الذى يحتضن دفء مشاعرنا ،بعيدا عن هذا العالم الذى شوهته الصراعات فأصبح فيه الكره قانونا والحب من المحرمات،هكذا قالت لي يوما أو رددت معي أنشودة الحياة .

قالت لى فى عيد ميلادنا الأول: تمنيت أن أكون معك فى شبرمن الأرض لم تطأه الأقدام ولم تره العيون ، ولا تصله الآثام ، فيه تمتزج أنفاسنا، تذوب نظراتنا فى براح الأنا أنت، ولا شيء سوانا ، كانت تقول.

هاهي الفرصة سانحة ، فقط علينا أن نقفز من نافذة هذا العالم إلى براح  الحلم، الحقيقة المطلقة، هى اللحظة المواتية، فقط القرار، أن تنير لنا لحظة الإرادة مصباح الفعل، من يريد القفزلاينظرإلى الخلف، هاهى تتوقف اللافتات والعمدان الكهربائية عن رحلتها، لقد تعطل الزمن فى لحظة خاطفة، فلنقفز الأن ، نطير فى البراح كورق الشجر الأخضر متشابكين ، تحملنا هدهدة النسيم إلى صفحة الرمل برفق، نسبح فى بحره الرقراق فتنقش آثار أقدامنا الصغيرة بردية مصرية قديمة، فتخط أسطورة أزلية.

أضمك إلىّ فلا تصبح لفراغات الهواء معنى بيننا، أحملك على راحتى كحملة العرش بين يديه ، أطوف بك دوائر عرضية وطولية سبعة أشواط مابين بين، مع انكسار أشعة الشمس القرمزية عند المساء، تتشكل على صفحة الرمل ظلال وارفرة يستظل بها الحمام واليمام والقمري ، بينما الغزلان والماعز هناك عند البحيرة العذبة من ماء محيا القبلة المسكرة الأولى فى مهد طفولتنا ، فانطبعت على أثر النقش بصفحة الرمل فصارت عينا تهوى إليها أفئدة الناس وأكباد الهائمين منذ عصور، وحين تأوي الطيورأعشاشها ، يزحف الليل حثيثا على أطرافه يتحسس هدأة السكون ، فأراه يطل من العلا خجلا وأنت على صفحة الرمل بين يدي قمرُ ، فكيف به الحال إن خذلته عيون العشاق؟ ولم يٌر لضيه من ضيّك أثر.

قالت: تبالغ فيما تصف

قلت :وهل لحروف الكلام أن تبلغ ماتصف.

أضمك إلى أكثر فأكثر وألوذ بعينيك كلما استوحش الليل فأرى نفسي ناعسا وأراك عند البحيرة تغسلين شعرك ، فينداح الليل ويشرق النهار على جبهتك، يرسل للعالم هناك تحت سفح الجبل بعضا من نور قبس يديك ، ليعودوا  لممارسة عاداتهم اليومية.

اسرعي لنقفز الأن نغادر عالمهم السفلى ، إلى عالمنا السرمدي، لاتترددي ، ها قد تشابكت يدي بكفها فى اللحظة الفارقة أجذبها نحوي بقوة ، فقد قررت الأن فورا .....

صرخة مفزعة طمست معالم الصورة فجأة، ومزقت ورقة البردي كخرقة بالية ، وقد استيقظت بجانبي كأنها إرتدت قناع الساحرة الشمطاء ، كنت تعودتُ عليه سلفا ودائما ما أنساه سالت خيوط لزجة من فتحة مقوسة أسفل الفم تتطاير منه رائحة عطنة وهو يقذف حمما قاطعة وحادة

: ألن تنتهي من هذا الجنون الرسمي، آخرتك مستشفى المجانين.

كشفت كلُ العيون التى أطلت من محاجرها عورتي ، كانت لاتزال أعمدة الكهرباء واللافتات تتراجع وأنا معها منكمشا فى المقعد الخلفي فى السيارة الأجرة، تعلن عن قرب الوصول لنقطة النهاية.

تمت

فى طريق القاهرة السويس

25-12-2014    d