مريم (الجزء الاول)بقلم_ كريم ريضى

2020-06-02 23:23:01



لاَ أدرِي لمَاذا الحظّ يُعاديني دائماً ! و لا أدرِي لمَ أنَا لستُ مِثلهم ! حظّي سَيء فِي كلّ شَيء، مَا إن أضع يَدي علَى شيء حتّى أرَاه يفسد.
لابدّ أنّ زينب تَمزح مَعي، أرجوكِ أرسلي رِسالة أخرى و أخبرينِي فِيها أنكِ تمزحين فَقط، لاَ يُعقل أنّي قَد رسبت في بعضِ الوحَدات حقاً، لقد أعددتُ جيّدا و اعتزلتُ العَالم فِي سَبيل ذلك، أعلنتُ الإضِراب عنْ كلّ شَيء و فِي وَجه الكلّ حتى أتمكن من المُذاكرة جيّداً و أحصل على أعلى الدّرجات.
لقد أرسلَت لي صَديقتي المَشوؤمة تِلك، رِسالة تُخبرني فِيها أنّي قَد فَشلتُ فِي ثَلاث وَحدَات، و بالتّالي سَيتوجّب عليّ إستدراكهنّ.
كيفَ سَأخبر أبي عن ذلك و مِن أينَ أبدأَ ؟ و أنَا التي أقِف أمَامه دائماً بِشموخ و غُرور، أَذكر أنّي قلتُ له لاَ عليك، أنَا وَاثقة مِن مُستواي و سَترى يا أبِي سَترى، فيَا لوقَاحتي، أينَ سأخبّىء وَجهي الآنَ مِن نَظراته و منَ سَينقذني مِن غَضبه ؟  و يَا ليتكِ يَا زينب أرسلتِ لَه الرّسالة بدلاً عنّي و أعفيتنِي مِن مُواجهته.
أنا مَريم العشرينيّة، طَالبة عِلم و حظّ، و  أنَا التي ضَحّت بِالحبّ حتّى لا يُلهيني عَن دَراستي، لا أُنكر أنّني مُعجبة به حقاً، لكن أخذت على عَاثقي وعداً، أن لاَ أَضعف أمَام رغبَات قَلبي، أُراقبه مِن بَعيد، أحياناً أُعانق طَيفه حتّى تهدأ النار المُشتعلة دَاخل قَلبي قليلاً، أتجَاهله و أُظهر كُرهي له حتّى لاَ يقدم خُطوة تُجاهي، أساساً هُو مَغرور، مَاذا يَحسب نَفسه حتّى أُعطيه قَلبي ! .
لَقد كَانت رَغبة أبِي أن أُصبح محامية، فِي البِداية رفضتُ له مراراً، أصرّ علَى أن أتّخذ مِن  القَانون تَخصّصاً و مُستقبلاً لي رغماً عَن أنفي، و كلّ مَا عَطشت إرتويتُ مِن دُموعي التّي لم تَكن تَهدأ، كنتُ أنَام و أصحُو علَى الدّموع، لَم تُفارق وجنتَاي  أبداً، لأنّي لَم أرغَب بِهذا التّخصص، كنتُ أحلُم بِشيء آخَر غير هَذا، و كنتُ أتمنّى أن أتخصّص فِي الدراسَات الإنجلزيّة، لَطالما عشقتُ اللّغة الإنجلزيّة، غيرَ أنّ لأبي رأياً آخر، أرادَ أن أَخلفه فِي مَهنته، و أن أُتابع مَساره فِي المُحاماة.
و لأنّها عُطلة، عدتُ إلى مَسقط رأسِي و مَدينتي الّتي تَرعرعتُ فِيها بَعد مَا أنهينَا الإختبَارت، لقد إلتجَأتُ إلى مَدينة مُرّاكش حتّى أُتابع دِراستي بِجامعة القَاضي عَياض، بِحكم أنّ مَدينتي لا تُوجد بِها جامعة، أقطنُ دَاخل الحيّ الجَامعي رُفقة ثَلاث فَتيات هنّ زينب و سلمى و ليلى، زينب صَديقتي المُقرّبة رغم أنّي لم أكن أعرفها مِن قبل، إلاّ أنّ الحيّ قد جَمع شَملنا و أيضاً هِي زَميلتي فِي الفَصل، أمّا سلمى فَهي تَدرس فِي كليّة العُلوم تَخصص بيولوجي، و ليلى في عِلم النّفس، فِي البِداية لم نَتأقلم مَع أجوَاء الحيّ  إلاّ بَعد مُرور أسَابيع، كنّا نَتشاجر كثيراً، كَان أوّل شِجار لنا كادت الأرواح أن تُزهق فيه، كَان لزاماً اختيار كل واحدة منّا مَكان نَومها، كان الأمر أشبَه بغُرف السّجون، و أنَا أُعاني من فُوبيا الأمَاكن العَالية، أقنعتهنّ بإعطائي المَكان السّفلي، و قد استغرقَ طَلبي سَاعات حتّى اقتنعنَ و قُلن لِي لاَ بأس...
- مريم، يا مريم، أينَ أنتِ ؟
كانَ ذَاك صَوت أمّي تَصرخ باسمِي، لا أدري مَا ورَاء صُراخها سَأعلم الآن.
- نَعم أمّي أنَا هُنا فِي غُرفتي.
- تَعالي بِسرعة، أبُوك يُريدك فِي أمرٍ و أرسلَ فِي طلبكِ.
- حسناً أمّي أنا قَادمة.
أظنّها النّهاية، سَتكون الحَلقة الأخِيرة لي، سَأموت شَهيدة هَذا مَا يُريحني قليلاً، سَيقتلني أبي لا مَحالة..  ( يُتبع )